فهرس الكتاب

الصفحة 404 من 462

- (في مُخَصِّصات العموم) -

-الفرق بين: (العُرف القوليّ) ، و (العُرف الفعليّ) في القضاء على الألفاظ وتخصيصها:-

قال القرافيّ: «العُرف القوليّ: أنْ تكونَ عادة أهل العرف يستعملون اللّفظ في معنًى معيّن، ولم يكن ذلك لغة. وذلك قسمان؛ أحدهما: في المفردات، نحو: (الدّابّة) للحمار، و (الغائط) للنجو، و (الرّاوية) للمزادة، ونحو ذلك. وثانيهما: في المُرَكَّبات، وهو أدقّها على الفهم وأبعدها عن التّفطّن، وضابطها: أن يكونَ شأن الوضع العرفيّ تركيب لفظ مع لفظ يشتهر في العرف تركيبه مع غيره، وله مُثُل؛ أحَدُها: نحو قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} (النّساء: 23) ، وكقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} (المائدة: 3) ؛ فإنَّ التّحريم والتّحليل إنّما تحسنُ إضافتهما لغةً للأفعال دون الأعيان؛ فذات الميتة لا يمكن العرفيّ أن يقول: هي حرام بما هي ذات، بل فعلٌ يتعلّق بها، وهو المناسب لها، كالأكل للميتة والدّم ولحم الخنزير، والشّرب للخمر، والاستمتاع للأمهات، ومَنْ ذَكَرَ معهنّ ... وثانيها: أفعال ليست بأحكام، كقولهم في العرف: أكلتُ رأسًا، وأكَلَ رأسًا؛ فلا يكادون ينطقون بلفظ الأكل كيفما كان وتصرّفِ إلاّ مع رؤوس الأنعام دون جميع الرّؤوس، بخلاف (رأيتُ) وما تصرّف منه، يُرَكِّبونَه مع رؤوس الأنعام وغيرها؛ فإذا قالوا: رأينا رأسًا، احتمل ذلك جميع الرّؤوس، بخلاف لفظ الأكل. ومن هذا الباب: قَتَلَ زيدٌ عمرًا، هو في اللُّغة موضوع لإذهاب الحياة، ثمّ هو اليوم في إقليم مصر موضوع للضّرب خاصّةً؛ فيقولون: قتلهُ الأميرُ بالمقارع قتلًا جيّدًا، ولا يريدون إلاّ ضَرْبَه، فهو من باب المنقولات العرفيّة، والأوضاع العرفيّة هي الطّارئة على اللُّغة، وأمكن في هذا المثال أن يقالَ إنَّهُ ليس من هذا الباب، بل المجاز هاهنا في مفرد لا في مركّب، وهو لفظ (قَتَلَ) وحده مَجَازًا في (ضَرَبَ) ، وأمَّا التّركيب فهو على موضوعه اللُّغويّ، وهذا هو الصّحيح في هذا المثال ... وعلى هذا المنوال فاعتبر الحقائق العرفيّة في المفردات والمركّبات، واعتبر اللّفظ: هل انتقل في العرف أم لا، مفردًا أو مركّبًا، وبذلك يُعْرَف المجاز في التّركيب والإفراد؛ فكلّ لفظ مفرد انتقل في العرف لغير مسمّاه، وصار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت