فهرس الكتاب

الصفحة 405 من 462

يُفْهم منه غير مسمّاه بغير قرينة، كالدّابة بالنسبة للحمار بإقليم مِصر، فهو مجاز مفرد، ومنقول عرفيّ في المفردات؛ وكلّ لفظ كان شأنه أن يُركَّبَ مع لفظ فصار يُرَكَّب مع غيره، ولو رُكِّب أوّلًا لكان منكرًا، وهو الآن غير منكر، فهو منقول عرفيّ في المركّبات، ومجاز في المركّبات ... فمثلُ هذا النّقل العرفيّ يُقَدَّمُ على موضوع اللُّغةِ؛ لأنّه ناسخ للُّغة، والنّاسخ يُقَدَّمُ على المنسوخ، فهذا هو معنى قولنا: إنَّ الحقائق العرفيّة مُقَدَّمة على الحقائق اللّغويّة. وأمَّا العرف الفعليّ، فمعناه: أن يوضعَ اللّفظ لمعنًى يكثر استعمال أهل العرف لبعض أنواع ذلك المسمّى دون بقيّة أنواعه؛ مثاله: أنَّ لفظ (الثّوب) صادق لغةً على ثياب الكتّان، والقطن، والحرير، والوبر، والشَّعر، وأهل العرف إنّما يستعملون من الثّياب الثّلاثة الأُوَل دون الأخيرين، فهذا عرف فعليّ.

وكذلك لفظ (الخبز) يَصْدُق لغةً على خبز الفول، والحمّص، والبرّ، وغير ذلك، غير أنَّ أهل العرف إنّما يستعملون الأخير في أغذيتهم دون الأوّلين، فوقوع الفعل في نوع دون نوع لا يُخلّ بوضع اللّفظ للجنس كلّه؛ فإنَّ تركَ مسمّى لفظٍ لم يباشَرْ لا يُخِلُّ بوضع اللّفظ له؛ فإنّا لم نباشر الياقوت، ولم يُخِلَّ ذلك بوضع لفظ الياقوت له؛ نعم لو كثر استعمال الياقوت في نوع آخر من الأحجار، حتّى صار لا يُفهم إلاّ ذلك الحجر دون الياقوت، لأخَلَّ ذلك بوضع لفظ الياقوت للياقوت، وكان ذلك نسخًا للفظ الياقوت عن مسمّاه الأوّل. فهذا المثال يوضّح لك أنَّ ترك مباشرة المسمّيات لا يُخلّ بالوضع، وغلبة استعمال لفظ المسمّى في غيره يُخلّ، فهذا هو تحرير العرف القوليّ، وتحرير العرف الفعليّ، وتحرير أنَّ العرف القوليّ يؤثِّر في اللّفظ اللُّغويّ تخصيصًا وتقييدًا وإبطالًا، وأنّ العرف الفعليّ لا يؤثر في اللّفظ اللُّغويّ لا تخصيصًا ولا تقييدًا ولا إبطالًا، لعدم معارضة الفعل، وعدمه لوضع اللُّغة، ومعارضة غلبة استعمال اللّفظ في العرف للوضع اللُّغويّ.» [1] .

(1) أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق بين قاعدة العرف القوليّ يُقضى به على الألفاظ ويخصّصها، وبين قاعدة العرف الفعليّ لا يُقْضى به على الألفاظ ولا يخصّصها) : 1/ 307 - 311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت