ولم يَصِلْ إلينا ممّا أُلِّفَ استقلالًا في هذا الضرب من الفروق قبلَ القرافيّ سوى كتاب واحد، هو كتاب (الفروق اللّغويّة) لأبي هلال العسكريّ (400 هـ) ، الذي طَغَتْ شهرتُهُ منذ تأليفه على كلّ ما أُلِّفَ بعده ممّا هو على نمطه. وقد كان الباعث لأبي هلال على تأليفه ما صَرَّحَ به في قوله: «ما رأيّتُ نوعًا من العلوم، وفنًّا من الآداب إلاّ وقد صُنِّفَ فيه كتب تجمع أطرافَه، وتنظم أصنافه، إلاّ الكلام في الفَرق بين معان تقارَبتْ حتّى أشكل الفرقُ بينَها؛ نحو: العلم والمعرفة، والفطنة والذكاء، والإرادة والمشيئة، والغضب والسخط» [1] . ثم ذَكَرَ أنَّهُ لم يَرَ في موضوع الفروق «كتابًا يكفي الطّالب، ويُقْنِعُ الرّاغب، مع كثرة منافعه فيما يؤدي إلى المعرفةِ بوجوه الكلام» [2] . ولكلامه هذا معنيان؛ أحدهما: أنَّهُ أوَّل مَن ضَمَّ شتاتَ هذا العلم وَلَمَّهُ في كتاب كافٍ شافٍ، والآخر: أنَّ هناك بعضَ الرّسائل أو الكتب في موضوع الفروق، ولكنَّها غيرُ كافيةٍ ولا وافيةٍ [3] .
وقد قَسَّمَ أبو هلال كتابَه على ثلاثينَ بابًا، احتوى كلّ باب منها طائفةً من الألفاظ المتقاربة المعنى في موضوع مُعَيَّن. ولعلّ هذا الاتّجاه القائمَ على التماس الفروق الدّلاليّة في ضمن مجموعات من المفردات، ممّا يَقْرُبُ من فكرة المجال أو الحقل الدّلاليّ، المعروفة الآن في علم الدّلالة الحديث؛ ففي كتاب أبي هلال أبواب للكلام، وأُخرى للعلم، والحياة والموت، والقِدَم والدّوام، والكلّ والجمع، وما يجري نحوَها [4] .
على أنَّ أهمّ سمة طبعت فروق العسكريّ بطابع الأصالة والإضافة: تخصيصُهُ مبحثًا مستقلًّا لبيان الأُسس التي استَنَدَ إليها في التماس الفروق بين الألفاظ، تلك الأسس التي ظَهَرَ أثَرُها في الكُتُب التي ظَهَرتْ بعد كتابه، وكان لها حضورٌ واضِحٌ في الفروق اللّغويّة عند القرافيّ على ما سنراه فيما بَعْدُ، وإن لم يَثْبُتْ أنَّ الأخيرَ نَهَلَ منها مباشرةً.
(1) الفروق اللّغويّة: 29.
(2) الفروق اللّغويّة: 29.
(3) ينظر: مَقال تأصيل ظاهرة الفروق اللّغويّة: 101.
(4) ينظر: مصنَّفَات اللحن والتّثقيف اللُّغويّ حتّى القرن العاشر الهجريّ: 102.