5.الكتاب الجامع:- وهو قِسم زادَهُ بعضُ المالكيّة، يَجمع مسائِلَ لا تنضبط في قِسْمٍ بعينِهِ، مع أنَّها من مُهِمّات الدّين، وكثيرًا ما تتَّصل بجوانب العمل والسلوك.
وقد انسَحَبَ هذان المظهران المنهجيّان للوَحدة العضويّة في الكتاب على معالجة الفروق اللّغويّة فيه؛ فعلى مستوى ارتباط الفروع بأُصولها نرى أنَّ الفروق اللّغويّة المُتناولةَ لم تَعُدْ تُعَالَجُ مَعْزولَةً عن سياقاتها التي تَرِدُ فيها كما كان يُفْعَلُ في الأعمال التي سَبَقَت القرافيّ على ما رأينا من قبلُ، بل أصبَحَتْ لَبِناتٍ مهمّة في البناء الكلّيّ الذي تكون فيه، وأجزاءً لا تُجْتَزَأُ من الأقسام الفقهيّة التي بُني الكتابُ على أساسها. وأمَّا على مستوى ارتباط الفروع بعضِها ببعضٍ، فقد تضافَرَت دلالات الفروق اللّغويّة مع الدلالات الفقهيّة والأُصوليّة لمفردات تلك الأقسام، في نسيجٍ متلاحِمٍ مشدودٍ بعضُهُ إلى بعضٍ، للخروج برؤًى شرعيّة متكاملة.
ومن الأمثلة الدالة على الوحدة العضويّة في المستويينِ المذكورَيْنِ: الفرق بين السِّنَة، والغَفْوَةِ، والنوم، الذي جاءَ في كتاب الطهارة، وقال القرافيّ في شأنه: «الفرق بينَ السِّنَة، والغَفْوة، والنوم: أنَّ الأبخرةَ متصاعدة على الدوام في الجَسَد إلى الدّماغ؛ فمتى صادَفَتْ منهُ فتورًا أو إعياءً استولَتْ عليه - وهو معدِنُ الحِسِّ والحركة -، فيحصل فيه فتور، وهو السِّنَة. فإن عَمَّ الاستيلاءُ حاسَّةَ البَصَر فهو غفوة، وإن عَمَّ جميعَ الجَسَد فهو نوم مُسْتَثْقَل. والأوَّلانِ لا وضوءَ فيهما» [1] . ويلاحَظُ هُنا تَعانقُ الدلالتينِ، وكيفَ أنَّ الفرقَ اللُّغويّ يقود إلى الفرقِ الفقهيّ، وأنَّ الاثنينِ يصبّان في فَهم كتاب الطهارة.
وفي كتاب (الذخيرة) جملةٌ من الفروق بين المتشابِهِ أو المتقارِبِ من القواعد الأُصوليّة، أو الفقهيّة، أو اللّغويّة، يُفَرَّعُ على كلّ منها مسائلُ من الفقه. ولمّا كانت هذه الفروق متناثرةً ومُوَزَّعَةً على أبواب الكتاب الكثيرة رأى القرافيّ أن يَجْمَعَها منفردةً، وأن يَضُم إليها كثيرًا من الفروق الأُخرى في كتاب مستقلّ سَمّاه (أنوار البروق في أنواء الفروق) ، وهو المشهور بـ (الفروق) [2] .
(1) الذّخيرة: 1/ 232.
(2) ينظر: أنوار البروق في أنواء الفروق: 1/ 71.