والتقييد يختلفان في أنَّ التّخصيص تصرّفٌ في المعنى الذي تناولهُ اللّفظ العامّ لغةً، وبيان لعدم شمولِهِ اللُّغويّ، وأمَّا التقييد فهو تَصَرُّفٌ فيما سَكَتَ عنه اللّفظ. وكذلك التخصيصُ يُعْمَل فيه بالأصل، وهو العامّ، بعد تخصيصِهِ، وأمَّا التّقييدُ، فلا يُعْمَل فيه بالأصْل المُطْلَق مستقلًا، وإنّما يُعْمَل به مع قيدِهِ» [1] .
وقد كان لمسألة الفرق بينَ الاستثناء والتخصيص نَصيبٌ مفروضٌ في كتاب (العِقْد المنظوم) ؛ فقد فرق القرافيّ بينهما بطريقة تعتمد الكثيرَ من المحاكَماتِ اللّغويّة والنّحويّة، ولم تكن موازنَتُهُ بينَهما ذاتَ طبيعةٍ أُصوليّة جدليّة محضة، كما كان شأنها عند الحنفيّة [2] .
وبمطالعة ما كَتَبَهُ القرافيّ في مقدّمة الكتاب عن السَّبب الباعث له على تأليفه، يتبيّن بوضوح أنَّ مسألة الفروق اللّغويّة حاضرةٌ بقوّة، ومهيمنةٌ على تفكيره بشدّة وهو يصنَّفَهُ؛ إذ إنَّهُ مبنيٌ على الفروق بين بعض القواعد الأُصوليّة اللّغويّة التي تتداخَل دلالاتُها، فيثيرُ الاشتغالُ بها والنَّظَرُ فيها اللبسَ حتّى على جمهور عريضٍ من المتمرِّسينَ بمسائل العِلم، فضلًا عن طلبة العلم المبتدئينَ؛ يقول القرافيّ في هذا الشان: «فإني رأيتُ كثيرًا من الفقهاء والنبلاء الذين يشتغلونَ بأُصول الفقه، ويزعمون أنّهم حازوا قَصَبَ السَّبْق، لا يحقِّقُ معنى العموم والخصوص في موارده حيث وَجَدَه، ويلتبس عليه العامّ والمطلَق إذا انتقدَهُ ... ، ووجدتُهُم يسوّون في استعمال العامّ والأعمّ بين النيّة المؤكِّدَةِ والنيّة المُخَصِّصَة، وهو خطأ، ووجدتُهُم في حَمل المطلَق على المقيَّد يسوّون بينَ الكلّيّة والكلّي، والأمر والنهي، والنفي والثبوت، وهو لا يصحّ، إلى غير ذلك من المباحث المتعلّقة بالعموم والإطلاق ممّا يتعيَّنُ تمييزُهُ وتحريرُهُ. فأردتُ أن أجْمَعَ في ذلك كتابًا يقعُ التنبيهُ فيه على غوامض هذه المواضع، واستنارة فوائدها، وضبط فرائدها، بحيث يصيرُ للواقف على هذا الكتابِ مَلَكَةٌ جيدةٌ في تحرير هذه القواعد، وضَبط هذه المعاقِدِ، إن شاءَ اللهُ تعالى.» [3] .
(1) مقال تخصيص العامّ بالاستثناء عند الأُصوليينَ: 56 - 57.
(2) ينظر: العقد المنظوم في الخصوص والعموم: 2/ 87 - 89.
(3) العقد المنظوم في الخصوص والعموم: 1/ 129 - 132.