فهرس الكتاب
2ـ ما روته عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله , فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) ( المستدرك على الصحيحين ج 4ص 426 ، سنن الدارقطني ج 3 ص84)
3ـ ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ادرؤوا الحدود بالشبهات) ( المحلى ج8 ص 253 ، نيل الأوطار ج 7 ص 272 )
ووجه استدلال الجمهور بهذه الأحاديث أنها تفيد وجوب درء الحدود بالشبهات, ولما كان القطع في السرقة حدا فلا يجب مع وجودها , عملًا بما أشارت إليه هذه الأحاديث .
وقد استدل جمهور الفقهاء على عدم قطع الوالدين بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه ) ( سنن النسائي ج 7ص 240 ، سنن ابن ماجه ج 2ص 723 ، مسند أحمد ج 6ص 193)
وفي لفظ ( فكلوا من كسب أولادكم ) ( سنن أبي داود ج 3ص 249 ، مسند أحمد ج 2ص 214)
.كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
وقوله صلى الله عليه وسلم (أنت ومالك لأبيك ) ( سنن ابن ماجه ج 2ص769 ، مسند أحمد ج 2ص 204)
فقالوا: إنه لا يجوز قطع الإنسان بأخذ ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذه , ولا أخذ ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم مالًا مضافًا إليه, ولأن الحدود تدرأ بالشبهات, وأعظم الشبهات أخذ الرجل من مال جعله الشارع له, و أمره بأخذه وأكله ( المغني10ص285)
واستدل من قال بعدم قطع الفروع بسرقة مال الأصول: أن بينهما قرابة واتحادا تمنع قبول شهادة أحدهما لصاحبه, فلم يقطع بسرقة ماله كالأب, ولأن النفقة تجب في مال الأب لابنه حفظا له فلا يجوز إتلافه حفظا للمال, وكذلك فإن مال كل منهما موصد لحاجة الآخر ( منهاج الطالبين ج4ص188) واستدل مالك على قطع الفروع بسرقة مال الأصول بعموم قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) ( سورة المائدة آية 38)
وكذا استدل بضعف الشبهة في هذه الحالة لأن الابن يحد إذا وطئ جارية أبيه أو أمه . بخلاف الأب إذا وطئ جارية ابنه فإنه لا يحد لقوة الشبهة, فيقطع الابن لسرقة مال أبيه كالأجنبي ( حاشية الدسوقي ج4ص396 )
وأجاب الجمهور على ذلك بأن عموم الآية خصصته أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم .وأما الزنا بجارية أبيه فيجب به الحد, لأنه لا شبهة له فيها, بخلاف المال فإن له فيه شبهة, وهو أنه إذا افتقر أو صار ذا حاجة فإن نفقته تجب على والده .
واستدل الأحناف على عدم قطع ذي الرحم المحرم . بأن الرحم المحرم قرابة تمنع النكاح, وتبيح النظر وتوجب النفقة, فهي أشبه بقرابة الولادة ( شرح فتح القدير ج5ص381)
وأجاب الجمهور عليهم بأنها قرابة تمنع الشهادة, فلا تمنع القطع كقرابة غيره, وفارق قرابة الولادة بهذا ( شرح العناية على الهداية بشرح فتح القدير ج5ص381 )
القول الثاني: يرى عدم اشتراط هذا الشرط , فهم لا يشترطون انتفاء الشبهة لوجوب القطع, فيقطع السارق عندهم مطلقا سواء كانت له شبهة في المال المسروق منه أم لم تكن . وهذا ما ذهب إليه أهل الظاهر وبعض الفقهاء كأبي ثور وابن المنذر ( المحلى ج11ص415، المغني ج10ص285)
و قد استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
1ـ بعموم قوله تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) ( سورة المائدة آية 38)
فقالوا: إن الله تعالى أوجب القطع على السارق بشكل عام , من غير تفريق بين من لا شبهة في مال المسروق منه , ومن لا شبهة له فيه .
وقد أجاب الجمهور على هذا الاستدلال: بان العموم قد خص بالأحاديث الصحيحة سالفة الذكر والتي سبق الاستدلال بها .
2ـ إن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: ( أنت ومالك لأبيك) ( سنن ابن ماجه2ص769 ، مسند احمد ج2 ص 204 )
قد نسخ بآية المواريث إذ فرقت بين مال الأصل ومال الفرع .
وأجاب الجمهور على ذلك: بأن القول بأن هذا الحديث قد نسخ غير صحيح,لأنه لا تعارض بينهما, فالآية تحدد الأنصباء في تركة الميت بالنسبة للورثة الأحياء بينما الحديث يتحدث عن الأحياء .
الترجيح:
وإني أرجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم القطع عند وجود الشبهة, خلافا للظاهرية ومن معهم لقوة أدلتهم, ولأنه أولى بالقبول, ولأن الإطلاق في الآية الكريمة قد قيد بالسنة النبوية التي أثبت وجود الشبهة. وأمرت بدرء الحدود بالشبهات, ولأن القطع عقوبة شديدة فيجب الاتقاء حتى يكون السبب تامًا .
ومع وجود شبهة للسارق في مال المسروق منه لا يتحقق الاعتداء فيكون القطع غير مناسب للجريمة ويكون وجوبه ظلم, وحاشا أن يكون في أحكام الشريعة ظلم .
الفصل الثاني: الشروط المتعلقة بالمسروق منه .
بتتبع آراء الفقهاء بشأن السرقة, نجد أنهم لم يشترطوا شروطا معينة تتعلق بالمسروق منه لإقامة الحد, إلا بالنسبة لشرط واحد ثار بينهم خلاف بشأنه, وهو:
هل مطالبة مالك المال شرط لإقامة الحد أم لا:
اختلف الفقهاء على قولين:
القول الأول:ـ ذهب مالك وابن أبي ليلى إلى عدم اشتراط ذلك, فالحد يقام إذا ثبتت السرقة سواء طالب المسروق منه بماله أم لا ( شرح الخرشي على المختصر الجليل ج5ص334، المغني ج10ص299)