فهرس الكتاب
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
1ـ قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) ( سورة المائدة آية 38 )
)و وجه الاستدلال من الآية أنها أطلقت الحكم بالقطع على السارق من غير قيود, وهذا دليل على أن مطالبة المالك ليست بشرط لإقامة الحد .
2ـ قياس حد السرقة على حد الزنا، فكما أن إقامة حد الزنا لا يحتاج في إقامته لمطالبة أحد, وإنما يقام بمجرد ثبوت الزنا, فكذلك القطع يقام بمجرد السرقة .
3ـ إقامة حد السرقة حق لله تعالى, فإقامته حسبة يثاب عليها أي مسلم يقيمه ولا حاجة إلى مطالبة المالك
القول الثاني:ـ ذهب الأحناف ( شرح فتح القدير ج5 ص400) والشافعية, ( نهاية المحتاج ج7 ص463) والحنابلة ( المغني ج 10ص 299)
إلى اشتراط ذلك فقالوا: إن مالك المال المسروق منه إذا لم يطالب به, فإن الحد يسقط ولا قطع على السارق .
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
1ـ إن حد السرقة إنما شرع صيانة لحق مالك المال في ماله, فيكون للمالك تعلق بإقامة الحد على السارق, ولا يقع من غير أن يطالب به ( شرح فتح القدير ج5ص398 )
2ـ من المتفق عليه أن المال يباح بالبذل والإباحة, وأن المالك إذا لم يطالب بإقامة الحد فيكون هناك شبهة في أنه أباحه لأخذه أو وقفه على طائفة الآخذ أو أذن له في الدخول حيث المال أو وقفه على المسلمين عامة .
وما دامت الحدود تدرأ بالشبهات, فلا حد إذا لم يطالب المالك بإقامته. وقد أجاب الحنفية ومن معهم على ما استدل به المالكية: بأن الزنا لا يباح بالإباحة بخلاف المال, فإنه يباح بالإباحة, ولأن القطع أوسع في الإسقاط كما أنه شرع لصيانة مال الآدميين فله بذلك تعلق, فلم يستوف من غير حضور مطالب به, والزنا حق لله تعالى محض فلم يفتقر إلى طلب ( المغني ج10ص300)
الترجيح:
وإني أرجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من ضرورة مطالبة المالك بماله لإقامة الحد على السارق, وذلك لأن كون المسروق مملوكا لغير السارق شرط لإقامة الحد وهذا الشرط لا يتحقق إلا بمطالبة غير السارق بماله لاحتمال أن المسروق منه قد أخرجه من ملكه أو أباحه لغيره أو وقفه على طائفة معينة .فتحقق كون الفعل سرقة شرعًا لا يظهر إلا بهذه المطالبة, فعدم المطالبة يورث شبهة تدرأ القطع, والحدود تدرأ بالشبهات .
الفصل الثالث:الشروط المتعلقة بالمال المسروق.
اشترط الفقهاء في المال المسروق عدة شروط . بعضها أجمعوا عليه والبعض الآخر اختلفوا فيه, وسنبين مذاهبهم في ذلك على النحو التالي:
1ـ الشرط الأول: ـ أن يكون المسروق مالًا:
هذا الشرط قال به جميع الفقهاء: فقد أجمعوا على أن السرقة لا تكون إلا في المال, لأنها لا تتصور إلا فيه, فالإنسان لا يصح أن يكون محلا للسرقة .
مسألة:ـ أختلف الفقهاء إذا كان المسروق طفلا غير مميز أو مجنون:
اختلفوا بشأن المجنون الحر, والطفل غير المميز, هل يتم
إلحاقهما بحكم المال فتجري عليهما السرقة أم لا ؛ على قولين:
القول الأول: يرى أن الطفل غير المميز أو المجنون, لا يصح أن يكون محلًا للسرقة, لأنهما ليسا بمال من أي وجه. وعلى ذلك لا يقطع سارقهما لكونهما يشبهان الكبير النائم, إذ لا قطع في أخذه ؛ وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة( شرح فتح القدير ج5 ص396
والشافعي ( نهاية المحتاج ج 7 ص460) وأحمد ( المغني ج10ص396)
وقد استدل أصحاب هذا القول: بأن القطع شرع ليزجر السارق عن التعدي على الأموال لتعلق النفوس بها. لأنها من ضروريات الحياة, وغير المال وهو الحر والصغير غير المميز لا تعلق للنفس به, فلا ضرورة لشرع القطع فيه .
القول الثاني: يرى أن الطفل غير المميز والجنون يكونا محلًا للسرقة, ويقطع سراقهما لأنهما في حكم المال . وهذا ما ذهب إليه الإمام مالك ( بلغة السالك ج2ص376 ، حاشية الدسوقي ج 4 ص391) والظاهرية (المحلى ج11ص406)
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
1ـ ما روى عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أتي برجل يسرق الصبيان ثم يخرج بهم فيبيعهم في أرض أخرى, فأمر به فقطعت يده) ( سنن رواه الدارقطني ج 3ص202)
ووجه استدلالهم من الحديث: أن لفظ الصبيان يشمل الأحرار والأرقاء, وليس هناك ما يخصصه بالأرقاء, فسارق الصبيان يقطع سواء كان ما سرقه منهم أحرارًا أو عبيدًا .
و أجاب الجمهور عن هذا بأن الحديث ضعيف لا يصلح الاحتجاج به, وعلى فرض أنه صحيح فمحمول على الأرقاء .
2ـ إن الحر غير المميز كالمال بجامع تعلق النفوس بكل منهما, فكلما أنه يقطع سارق المال كذلك يقطع سارق الحر غير المميز . وأجيب عن ذلك بأن هذا قياس مع الفارق, فإن المال تتعلق به نفوس أصحابه ونفوس سارقيه بالانتفاع به, بخلاف الحر غير المميز فإن نفوس السارق لا تتعلق به غالبا .
الترجيح: والراجح ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة لقوة دليلهم, ولأن القطع إنما شرع للزجر عما يكثر وقوعه, وسرقة غير المميز الحر قليلة الوقوع فلا ضرورة لشرع القطع فيها, ويمكن للإمام أن يعزز بما شاء في مثل هذه الجرائم النادرة الوقوع, ولما في ذلك من سمو بالإنسان وتكريم له, لأن في عدم تشبيهه بالمال حفظ له من الامتهان .