فهرس الكتاب
ويلاحظ أن هذا الخلاف إنما هو بشأن المجنون والصبي غير المميز, أما إذا كان صبيا مميزا أو غير مجنون فقد أجمع الفقهاء على أنه لاقطع على آخذه (شرح العناية على الهداية بشرح فتح القدير ج5ص369، 370)
2ـ الشرط الثاني: ـ أن يكون المال منقولًا:
وهذا الشرط قال به جميع الفقهاء (حاشية ابن عابدين ج3ص265، الخرشي على خليل ج5ص333،الإقناع في الفقه الشافعي ج2ص332، كشاف القناع ج4ص77)
فلابد أن يكون المسروق منقولًا , وذلك لأن السرقة يترتب عليها نقل الشيء المسروق وإخراجه من حرزه ,ونقله من حيازة المجني عليه إلى حيازة الجاني ,وكل ذلك لا يمكن أن يحدث إلا بالنسبة للمنقولات ,لأنها هي التي يمكن نقلها من مكان إلى مكان آخر ,بخلاف الحال في العقارات
الثابتة فهذه لا يمكن نقلها بصفتها كعقار. ولا يشترط أن يكون المسروق منقولًا بطبيعته ,بل يكفي أن يصير منقولًا بفعل المجني عليه ,أو بفعل غير الجاني .
3ـ الشرط الثالث ـ أن يكون المال محترمًا:
فلابد في قطع السارق من أن يكون المسروق محترمًا , ويقصد بالمال المحترم ماله قيمة بصفة مطلقة لا نسبية ,وذلك مثل الدنانير والدراهم ,فإنها مقومة عند جميع الناس ,بخلاف الخمر والخنزير فإنه ليست مالًا ولا قيمة لها بالنسبة للمسلم ,وكذا آلات اللهو وكل مانهى الشارع من الإنتفاع به شرعًا ,لأن غير المحترم ليس معصومًا شرعًا , وغير المعصوم لاتتحقق الجناية المحضة بالاعتداء عليه ,فلا تناسبه العقوبة المحضة . وبهذا قال الأئمة الأربعة (شرح فتح القدير ج5ص371، حاشية قليوبي ج4ص187، مغني المحتاج ج4ص160، بداية المجتهد ج2ص412، المغني ج10ص282 )
مسألة: أختلف الفقهاء في السرقة ما سلط الشارع على كسره ,كآلات اللهو إذا بلغ كسرها نصابًا.
على قولين:
القول الأول: فذهب الأحناف والحنابلة والشافعي في أحد قوليه إلى أن آلة اللهو كالطنبور والمزمار لاقطع فيها ,وإن بلغت قيمتها بعد تكسيرها نصابًا ,لأن هذه الأشياء وأمثالها من وسائل المعصية بالإجماع ,وهي في ذلك كسرقة الخمر فلا قطع في سرقتها ,ولأن له حقًا في أخذها لكسرها ,تطبيقًا لأمر الشارع ( مغني المحتاج ج4 ص160، المغني ج10ص282 )
القول الثاني: ذهب مالك والشافعي في قول آخر له إلى أن آلة اللهو إذا بلغت قيمتها بعد كسرها نصابًا يقطع آخذها ,لأنه سرق ماقيمته نصابًا لاشبهة له فيه ,من حرز مثله ,وهو من أهل القطع فوجب قطعه . (حاشية الدسوقي ج4ص392، حاشية قليوبي ج4ص187)
الترجيح: وأرجح ما ذهب إليه الأحناف والحنابلة من أن آلة اللهو وأشباهها مما سلط الشارع على كسرها إذا بلغت قيمتها بعد كسرها نصابًا لايقطع سارقها وذلك لأن الفقهاء اتفقوا على أنها من أدوات المعصية ,ولا قيمة لها وهي صحيحة منتفع بها فيما أعدت له ,فبالأولى لا تكون لها قيمة بعد إتلافها ,لأنها به تكون قد فقدت كل منافعها فيما أعدت له وفي غيره .
4ـ الشرط الرابع:ـ أن يكون المال متمولًا: يقصد بالمال المتمول: أن يكون عند الناس عزيزًا وخطرًا بحيث يضنون به ويعدونه مالًا ,وهذا الشرط اختلف الفقهاء فيه على قولين:
القول الأول:يرى عدم اشتراط هذا الشرط ,وهو ما ذهب إليه المالكية والشافعية والحنابلة , كماأنه رأي أبي يوسف من الأحناف ( شرح فتح القدير ج5ص366، حاشية قليوبي ج4ص187، مغني المحتاج ج4ص160، بداية المجتهد ج2ص412، المغني ج10ص282)
فالقاعدة العامة عند هؤلاء أن كل مايمكن تملكه ويجوز بيعه وأخذ العوض عنه ,يجب القطع في سرقته ولو كان المسروق مما جنسه مباح في دار الإسلام ,فالتفاهة لا تمنع عندهم من القطع . وقد استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
1ـ بعموم قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (سورة المائدة آية 38 )
فقالوا:إن الله قد رتب وجوب القطع على السرقة من غير تفريق بين سرقة ما جنسه مباحًا في دار الإسلام ,وما جنسه ليس مباحًا في دار الإسلام,ولم يوجد مخصص لهذا العموم .
2ـ بقياس ما جنسه مباحًا في دار الإسلام على مالا يوجد جنسه كذلك , بجامع أن كلًا منهما متقوم سرق من حرز مثله لا شبهة للسارق فيه, فكما أنه يجب قطع السارق فيما لا يوجد جنسه مباحًا في دار الإسلام ,فكذلك يجب قطعه فيما يوجد مباحًا فيها .
3ـ أن الشيء مادامت له قيمة متمولة عند الناس ,فهو مال يجب القطع في سوقته حفظًا له ,وهو بماليته لا فرق بينه وبين مال غيرتافه .
القول الثاني: يرى اشتراط هذا الشرط . فيذهب أصحابه إلى أن المال التافه غير المتمول ,لا قطع في أخذه ,فيشترط أن يكون المال متمولًا , وهو رأي أبي حنيفة وصاحبه محمد (شرح فتح القدير ج5 ص365)
واستدل أبو حنيفة ومن معه بما يأتي:1ـ بما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كانت اليد لا تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه) ( الدرية في تخريج أحاديث الهداية ج2ص109، نصب الراية ج3ص360) ووجه الدلالة: أن التافه هو الحقير, وما يوجد جنسه مباحا في الأصول بصورة غير مرغوب فيه, تقل الرغبات, ولا تتطلع إليه النفوس , ولا تضنّ به الطباع, فقلما يوجد آخذه , فلا حاجة إلى شرع الزجر فيه .