فهرس الكتاب
وأجاب جمهور الفقهاء على هذا الحديث:
أولا: بضعفه, فلا يصح الاستدلال به .
ثانيا: أنه وعلى فرض صحة هذا الحديث, فإن المراد بالتافه ليس هو الحقير . إنما المراد به هو ما دون النصاب, ولو سلم أن التافه هو الحقير فيمنع أن كل ما يوجد جنسه مباح في دار الإسلام حقير, بل منه مل له قيمة .
2ـ الحرز فيما جنسه مباح في دار الإسلام ناقص . فإن الحطب مثلًا يلقى بالأبواب , والطيور في أقفاصها معرضة للانفلات والضياع, فالحرز فيها غير تام, فلا يناسب شرع الزجر .
ويجاب عن ذلك: بأن الحرز غير ناقص, بل هو كامل في كل شيء بحسبه (حاشية الدسوقي ج4ص403 )
.فالحطب بالأبواب محرز عرفًا, وكذلك الطير في الأقفاص, فيقطع سارقه .
3ـ التفاهة شبهة في المال, و ما دامت الحدود تدرأ بالشبهات, فلا تقطع في الشيء التافه ( شرح فتح القدير ج5ص366)
وقد أجاب الجمهور على هذا الاستدلال أيضا بأن التفاهة لا تعتبر شبهة تدرأ الحد .
الترجيح: هذا ولا يسع إلا أن يرجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول القائل:
بأن القطع يجب سواء كان المال تافها أو عزيزا ما دام محترما, وذلك لقوة أدلتهم وردهم أدلة الفريق الثاني , ولأن الأموال التي توجد مباحة في أرض الإسلام إذا أحرزت بعد وضع اليد عليها اختص بها من وضع يده عليها, فلا بد من حمايتها من التعدي عليها حتى ينتفع بها من أحرزها ووضع يده عليها, لأن ملكيتها قد آلت إليه بالحيازة .
5ـ الشرط الخامس:ـ أن يبلغ المسروق نصابًا:
اختلف الفقهاء باشتراط النصاب لوجوب القطع, فمنهم من يرى اشتراطه ومنهم من لا يعتبره لإقامة الحد, والقائلون باشتراطه اختلفوا فيما بينهم في مقدار النصاب, كما اختلفوا في القوت الذي تعتبر فيه قيمته . وسوف أوضح آراء الفقهاء في كلٍ مع بيان الراجح ، في المسائل التالية:
المسألة الأولى:اختلاف الفقهاء في اشتراط النصاب:
اختلف الفقهاء في اشتراط النصاب لوجوب القطع على قولين:
القول الأول: يرى أن النصاب شرط لإقامة الحد, وهو مذهب الأئمة الأربعة ( حاشية ابن عابدين ج 3 ص366 ، منح الجليل،ج 5 ص516 ، منهاج الطالبين ج 4 ص186، المغني،ج10 ص241)
فالقطع لا يجب عندهم إلا إذا بلغ المسروق نصابًا . وقد استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بالسنة والإجماع:
فأما السنة فقالوا:إن الرسول صلى الله عليه وسلم روي عنه أقوال وأفعال منها:
1ـ. ما رواها بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم:(أنه قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم(صحيح البخاري ج 6ص 2493 ، سنن أبي داود ج 4 ص 136 ،سنن النسائي ج 8ص 76.
أو (قيمته ثلاثة دراهم) على رواية ( صحيح مسلم ج 3ص 1314)
2ـ ما روته عائشة رضي عنه عنها أنها قال )كان رسول صلى الله عليه وسلم يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا) ( سنن النسائي ج 8ص76)
وفي رواية أخرى:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن يد المجن ،قليل لعائشة: ما ثمن المجن ؟ قالت:ربع دينار ) ( سنن النسائي ج 8ص80)
3ـ روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي عنه عنها أنها قالت (لم تكن تقطع يد السارق في أدنى من حجفة أو ترس،كل واحد منهما ذو ثمن) ( صحيح البخاري ج 6ص 2492 ،سنن النسائي ج 8ص82 ، صحيح مسلم ج 3ص1313)
ووجه استدلال الجمهور من هذه الأحاديث:أنها دلت بوضوح على اعتبار النصاب شرطًا في وجوب القطع ، وأنه لم يتم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا إذا كان المسروق بلغ قدرًا معينًا ، وذلك ما نقول به .
و أما الإجماع ، فقالوا: إن الصحابة رضي الله عنهم قد اتفقوا على اعتبار النصاب شرطًا لوجوب القطع ، والخلاف بينهم إنما في مقداره ، وإجماع على اعتبار النصاب شرطًا لوجوب القطع .
القول الثاني: يرى عدم اشتراط النصاب لإقامة الحد, وعلى ذلك فقطع اليد عنده يجب إذا ثبتت السرقة في إي مقدار من المال قليلًا أو كثيرًا , وهو مذهب الحسن البصري والظاهرية ( المحلى ،ج 11 ص424)
وقد استدل أصحاب هذا القول القائل بعدم اشتراط النصاب بالكتاب والسنة بما يلي:
فأما الكتاب:
فقال تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديمها جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم) (سورة المائدة آية 38)
ووجه استدلالهم من الآية أن الله تعالى قد رتب وجوب القطع على السرقة فكانت هي العلة, وذلك يقضي بوجوب القطع متى تحققت علته من غير فرق بين سرقة القليل والكثير, لأن اسم السرقة يطلق على أخذ كل منهما, والنص مطلق لم يحدد مقدارًا لما يسرق لإقامة الحد, وهذا يدل على عدم اشتراط النصاب لوجوب القطع.
وأجاب الجمهور على ذلك: بأن عموم الآية قد خصص بالأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم في اعتبار النصاب شرطًا لوجوب القطع, وإن قيل بأن الآية لا يصح أن تقيد بهذه الأحاديث, لأن الأحاديث أحاديث آحاد لا تفيد إلا الظن, بينما الآية قطعية والظني لا يقيد القطعي .
فإن ذلك غير صحيح لأن الآية عامة, والعام مختلف في دلالته هل هي ظنية أم قطعية, ومع هذا الخلاف تكون دلالة الآية ظنية, وحينئذ تقيد الأحاديث الآية لأن كليهما ظني .