فهرس الكتاب
وأما السنة: فقد استدلوا يما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده ) ( صحيح البخاري ج 6ص 2493 ، صحيح مسلم ج3 ص 1314 )
ووجه استدلالهم بهذا الحديث أنه عام فيوجب القطع مطلقا, لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب القطع على سرقة البيضة كما رتبه على سرقة الحبل , ومعلوم أن من الحبال مالا يساوي دانفا , ومن البيض مالا يساوي فلسا, وتلك أشياء عديمة القيمة, وذلك يفيد القطع في القليل والكثير بدون تحديد مقدار . وقد أجاب الجمهور على هذا الحديث بأنه مردود بثلاثة وجوه:ـ
الأول: إن المارد بالبيضة بيضة الحديد التي تجعل على الرأس في ميدان الحرب, ولا شك أن لها قيمة, وبالحبل ما قيمته ثلاثة دراهم أو أكثر كحبال السفينة, ويدل على ذلك ما قاله الأعشى راوي الحديث: ( كانوا يرون أنه بيض الحديد, والحبل كانوا يرون أن منها ما يساوي ثلاثة دراهم ) وكلاهما يبلغ نصابًا .
الثاني: إن ما جاء في الحديث أن القطع بسرقة البيضة والحبل خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير, كما جاء في معرض الترغيب بالقليل في الكثير كما في حديث ابن عباس رضي الله عنه قول صلى الله عليه وسلم: (من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة) ( مسند أحمد ج1ص241 )
الثالث: أن الحديث يقصد به تحقير شأن السارق والتنفير من السرقة وخسارة ما ربحه .
الترجيح: والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من اشتراط النصاب لوجوب القطع, لقوة ما استدلوا به ولردهم أدلة الفريق الثاني , ولأن هذا هو الذي يتفق وفلسفة العقوبة في الشريعة الإسلامية . إذ بمقدار الجريمة تكون العقوبة, والسرقة عقوبتها أغلظ في كل الشرائع قديمها وحديثها من غيرها من وسائل الاعتداء على المال كالغصب والاحتيال, ومن ثم لا ينبغي تنفيذ عقوبة القطع واللجوء إليها إلا إذا بلغ المسروق قدرًا معينًا ليكون ذا قيمة تضن به النفوس, ولأن القليل ليس له قيمة فلا يضير النفوس فقده .
المسألة الثانية:اختلاف الفقهاء في مقدار النصاب:
المبدأ العام الذي يتفق عليه جمهور الفقهاء كما سبق أن بينا هو اشتراط النصاب لكي يجب القطع بالنسبة للسارق. غير أنهم اختلفوا فيما بينهم في مقدار النصاب الذي يوجب أخذه القطع وهذا ما سنبينه فيما يأتي:
القول الأول: ذهب الإمام مالك وأصحابه ( منح الجليل على مختصر خليل ج4 ص520 ، الشرح الكبير ج4 ص 391،392)
إلى أن النصاب الواجب هو ثلاثة دراهم من الفضة أو ربع دينار من الذهب. فإذا كان المسروق غير ذهب ولا فضة فإنه يقوم بالدراهم وليس بالذهب .
وهذا إذا كانت قيمة الثلاثة دراهم تختلف عن قيمة الربع دينار لاختلاف الصرف, كأن يكون الربع دينار مثلا يساوي في وقت من الأوقات درهمين ونصف . فإذا ساوى المسروق عند المالكية في ربع دينار وإن لم تكن قيمته ثلاثة دراهم, ويقطع في ثلاثة دراهم وإن لم تكن قيمته ربع دينار وهذا هو المشهور .
واستدل المالكية بما يأتي:
1ـ ما رواه ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( قطع يد رجل سرق ترسًا من صفة النساء ثمنه ثلاثة دراهم ) ( سنن النسائي ج 8ص 76 ، سنن أبي داود 4ص 136 )
2ـ ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقطع يدالسارق إلا في ربع دينار فصاعدًا) ( مسلم ج 3 ص1312 ، سنن النسائي ج 8ص81 ، سنن ابن ماجه ج 2ص 862 )
، ووجه الدلالة مما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قطع فيما قيمته ثلاثة دراهم, ولم يستفسر عن كون هذه الثلاثة تساوي ربع دينار أو تقل عنه, وذلك يقضي باعتبار القطع في ثلاثة دراهم وإن لم تساوي ربع دينار, كما أن الحديث الثاني دل على أن القطع يكون في ربع دينار وإن لم تكن قيمته ثلاثة دراهم, لأن الحديث محصور بالنفي والاستثناء .
القول الثاني:مذهب الشافعي يتفق مع مذهب الإمام مالك في قيمة النصاب السابق ذكره,ولكنه يفترق عنه فيما إذا كان المسروق غير ذهب أو فضة,فالشافعي يرى أن التقويم يكون بالربع دينار أي بالذهب,وليس بالدراهم من الفضة . فالأصل في التقويم عند مالك هو الدراهم . أما عند الشافعي فالأصل في التقويم هو الدنانير, وهذا هو وجه الخلاف بينهما ( مغني المحتاج ج 4ص158 ، حاشية قليوبي ج4 ص186 )
واستدل الشافعي وأصحابه بما يأتي:
1ـ ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا) ( سنن النسائي ج 8ص81 ، سنن ابن ماجه ج 2ص862)
2ـ ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن . قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار ) ( سنن النسائي ج 8ص80 ، سنن الدار قطني ج 3 ص189)
ووجه الدلالة من الحديثين:
أن الأول دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت القطع في ربع دينار ونفاه عما دون ذلك. فدل ذلك على أنه لا قطع في أقل من ربع دينار ( الإقناع ج2 ص232)