فهرس الكتاب

الصفحة 1012 من 1664

بينما دل الثاني على أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى فيما ثمنه القطع دون ربع دينار, وأثبته فيما ثمنه ربع دينار بنفيه القطع فيما دون ثمن المجن, وقد بينت عائشة ثمن المجن بأنه ربع دينار, وأن هذا صريح في أن العروض إنما تقوم بالذهب من غير نظر إلى الفضة أصلًا لأن البيان من عائشة في حكم المرفوع, فهو تحديد من الشارع بالنص لا يجوز العدول عنه .

القول الثالث:الإمام أحمد: مذهبه ففي رأيان:

الأول: أن النصاب هو ثلاثة دراهم أو ربع دينار, كما هو المشهور من مذهب مالك.

الثاني: مثل الأول تمامًا, ولكن إذا كان المسروق غير ذهب أو فضة قوم بهما معا, وإذا اختلفت قيمتها فإنه يقوم بأقلهما في القيمة ( المغني لابن قدامة ج10 ص242 ) .

واستدل الإمام أحمد بما سبق بيانه من أحاديث. وبما رواه انس رضي الله عنه أن سارقا سرق مجنا قيمته ثلاثة دراهم فقطعه أبو بكر, وأتى عثمان برجل سرق أترجه فبلغت قيمتها ربع دينار فقطعه ( مصنف بن ابي شيبة ج 5ص476 ، سنن البيهقي الكبري ج 8 ص262 ، كشاف القناع ج4 ص78 )

ووجه الدلالة لهذه الأحاديث والآثار: أنها تدل على القطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته تساوي أحدهما, فيقطع السارق في ربع دينار وإن لم يساوي ثلاثة دراهم, كما يقطع في ثلاثة دراهم, كما يقطع في ثلاثة دراهم وإن لم تساوي ربع دينار, ويقطع في سرقة غير النقدين بما قيمته ثلاثة دراهم أو ربع دينار, وتقوم العروض بأيهما شاء .

القول الرابع: يرى الإمام أبو حنيفة ( شرح فتح القدير، ج5 ص355 ، بدائع الصنائع ج7 ص77 )

أن النصاب الذي يوجب القطع هو عشرة دراهم فضة خالصة أو ما يساوي قيمتها, فلا قطع عنده في أقل من عشرة دراهم, ولو كانت قيمته ربع دينار, كما لا قطع في غير الفضة من الذهب أو عروض التجارة بما قيمته أقل من عشرة دراهم, ولو كانت قيمته تساوي ربع دينار .

واستدل الإمام أبو حنيفة على ما ذهب إليه بالأحاديث التي وردت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومنها:

1ـ ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا قطع فيما دون عشرة دراهم ) ( مسند أحمد ج 2ص204)

2ـ ما رواه عامر بن سعد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تقطع اليد في ثمن المجن ) ( مسند أحمد ج 1ص169 )

3ـ ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن قيمة المجن كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم) ( مسند أحمد ج 2ص180)

4ـ ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا قطع فيما دون عشرة دراهم ) ( مسند أحمد ج 2ص204)

ووجه الدلالة مما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى القطع في أقل من عشرة دراهم أو فيما دون ثمن المجن, وهذا صريح في تحديد النصاب بوجوب القطع في السرقة بعشرة دراهم أو ما قيمته ذلك .

وأجاب الأئمة الثلاثة عما استدل به الحنفية:

بأن الرواة تكلموا في الحديثين الأخيرين وقالوا: إنهما لا يصلحان للاستدلال بهما لأن في إسناد الثاني محمد بن اسحق وقد عنعن ولا يحتاج بمثله إذا جاء الحديث معنعنًا, وفي إسناد الحديث الأخير الحجاج بن أرطأة وهو مدلس, ولم يسمع هذا الحديث عن عمرو بن شعيب .

وأجاب الحنفية عن أدلة الأئمة ثلاث المتقدمة بما يأتي:

1ـ إن تقدير أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها للمجن بربع دينار اجتهاد منها, والاجتهاد من الصحابي لا يكون حجة على اجتهاد صحابي آخر ولم ينعقد إجماع بينهم على تقديره بربع دينار .

2ـ إنه قد روي تقدير ثمن المجن بأكثر من ربع دينار . فقد روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: (لا قطع في أقل من أربعة دراهم ) ( مصنف بن أبي شيبة ج 5ص475)

ولهذا الاختلاف في تقدير ثمن المجن كان الاحتياط للقطع أن يقدر ثمن المجن بأكبر تقدير روي عن الصحابة , وللاحتياط فإنه يجب التقدير بعشرة , وفوق ذلك فقد ثبت اتفاق الصحابة في القطع لعشرة دراهم, واختلفوا في القطع فيما دونها , وهو أمر لا يثبت إلا بالتوقف, فكان الاحتياط أن يؤخذ بما اتفقوا عليه ويترك ما اختلفوا فيه ( تفسير القرآن الكريم العظيم ج2 ص 56)

الترجيح:

وإني أرجح رأي الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل, وذلك لأمور:ـ

جمعا بين الأحاديث والروايات التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولأننا لو جعلنا النصاب ثلاثة دراهم أو ربع دينار, إنما نعمل في الوقت نفسه بمذهب الإمام أبي حنيفة ومن معه, لأن النصاب عنده عشرة دراهم , فإذا بلغت قيمة المسروق عشرة دراهم تقطع يد السارق .

غاية ما هنالك أنه في حالة عدم بلوغ المسروق عشرة دراهم أو ما قيمتها يكون رائدنًا في تقدير النصاب هو رأي الأئمة الثلاثة, وخاصة الإمام الشافعي الذي ذهب إلى أن التقدير يكون بربع دينار , وذلك لأن الفضة تختلف باختلاف الأزمان والدول , بخلاف الذهب فإن له قيمة ثابتة لا تختلف غالبا باختلافهما , والتقدير بما هو ثابت يجعل سبب الحكم متحدا في الأزمان والدول المختلفة . وهذا أقرب إلى العدل والمساواة

المسألة الثالثة:وقت اعتبار النصاب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت