فهرس الكتاب
اتفق الفقهاء على أن الوقت المعتبر لتحقق قدر النصاب هو إخراج الشيء المسروق من حرزه, ولو حدث بعد ذلك نقص في قيمته بسبب تغير في ذات المسروق أو تلف فيها, فتعتبر القيمة في هذه الحالة وقت الإخراج من الحرز لا غيره . أما إذا كان النقص بسبب تغير السعر.
فقد اختلفوا فيما بينهم في الوقت المعتبر لتحقق قدر النصاب على قولين:ـ
القول الأول: فذهب المالكية (بلغة السالك ج2ص377 ) والحنابلة (المغني 10ص278)
والشافعية ( الإقناع في الفقه الشافعي ج2ص232)
ومحمد وزفر من الأحناف ( حاشية سعد حلبي بشرح فتح القدير ج5 ص407)
.إلى أن القيمة المعتبرة هي وقت إخراج المسروق من الحرز .واستدلوا بقياس نقص القيمة بتغير السعر بعد إخراجه من الحرز كاملا,على نقص القيمة بتغير الذات بعيب أو تلف فيها بعد إخراجه, كذلك بجامع نقص القيمة في كلًا, فكما أن نقص القيمة بتغير الذات لا يمنع القطع, فكذلك نقص القيمة بتغير السعر لا يكون مانعًا منه . فالمعتبر وقت الإخراج من الحرز لا غير
القول الثاني:ذهب الإمام أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف إلى أن القيمة المعتبرة هي قيمة المسروق وقت القطع, ما دام تغير القيمة كان بسبب نقص السعر . فإذا كانت قيمة المسروق نصابًا وقت الإخراج من الحرز ثم نقصت بتغيير السعر عند الحكم بالقطع فلا يقطع سارقه .واستدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه, بأن نقص القيمة عن النصاب عند القطع بسبب تغير السعر يورث شبهة أن قيمة المسروق وقت إخراجه من الحرز لم تكن نصابًا, لأن العين لم تتغير في شيء, ومن المعلوم أن الحدود تدرأ بالشبهات .وأجيب عن هذا الاستدلال: بأن شبهة نقصان قيمة المسروق وقت الإخراج من الحرز لنقصان قيمته وقت الحكم بالقطع لا تعتبر مانعة منه, لأن الفرض أن المسروق كان نصابًا وقت الإخراج, فنقصانه بعد ذلك لا يصلح مانعًا من سببية السرقة لوجوب القطع . ويلاحظ أن هذا الاختلاف قائم بين الفقهاء سواء أكان التغير في السعر بسبب انتقال المسروق من بلد إلى بلد, أم بتغير السعر في المكان الواحد .
الترجيح: وإني أرجح ما ذهب إليه المالكية ومن وافقهم من أن القيمة المعتبرة للمسروق هي قيمته وقت السرقة, لأن ذلك يصون للأموال حرمتها, ولا يفتح بابا للمحتالين بأن يركنوا إلى شبهة تغير الأسعار لقيمة المسروق, فيفلتوا من العقاب, كما أن تغير السعر بعد تمام السرقة لا يورث شبهة غالبا حيث يعلم التجار قيمة الأشياء يوما بيوم وساعة بساعة, كما وأن ذلك يمنع الإفلات من العقاب ( بدائع الصنائع للكاساني ج7ص77)
6ـ الشرط السادس: ـ أن يكون المسروق مملوكًا للغير:
لا بد لتمام جريمة السرقة أن المال المسروق مملوكًا لغير سارقه ، فإذا كان السارق قد سرق مالًا مملوكًا له ، فلا قطع عليه في هذه الحالة لأنه لا يعتبر سارقًا حتى ولو أخذه خفية . والوقت الذي تعتبر فيه الملكية هنا وقت ارتكاب جريمة السرقة فقط . لا قبل ذلك ولا بعده . فإذا كان السارق مالكًا للمال المسروق ثم خرج المال المسروق من ملكه قبل حصول جريمة السرقة فهو مسؤول عن هذا الفعل ، ويعتبر سارقًا يقام عليه الحد .فإذا لم يكن هذا المال في ملكه ثم دخل ملكه وقت ارتكاب جريمة السرقة، فلا قطع عليه ولا مسؤولية ، كما لو دخل في ملكه عن طريق الميراث أو الهبة أو البيع قبل الخروج من الحرز. وما تقدم بيانه متفق عليه بين الفقهاء (المغني لابن قدامة ج10ص277 ، شرح فتح القدير ج5 ص406 ،حاشية الدسوقي ج4ص394، الإقناع في الفقه الشافعي ج2ص234)
مسألة:حكم ادعاء السارق ملكيته للمال المسروق:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال:ـ
القول الأول: ذهب الإمام مالك إلى أن ادعاء ملكية المال المسروق في ذاته ليس له قيمة ولا يسقط الحد عن السارق إلا إذا أثبت صحة ما يدعيه . فإن أقام دليلا على صحة ادعائه قبل قوله, وإلا حلف المجني عليه أن المال المسروق ملكه . فإن امتنع عن الحلف حلف السارق وأخذ المال ولا قطع عليه ( حاشية الدسوقي ج 4ص 403 ، بداية المجتهد ج 2ص 412)
القول الثاني: يرى الإمام أبو حنيفة بأن الحد يسقط عن السارق لمجرد ادعائه ملكية المال المسروق, دون إلزامه بإقامة دليل على صحة هذا الادعاء .وتكون العقوبة هي التعزير لأن المال المسروق منه قد صار خصما للسارق في ملكية الشيء المسروق والخصومة شبهة تدرأ الحد ( شرح فتح القدير ج5ص 408 ، بدائع الصنائع ج7ص71)
القول الثالث: للإمام الشافعي قولان:
الأول: يتفق فيه مع أبي حنيفة في القول بسقوط القطع عن السارق بمجرد ادعائه لملكية المسروق, حتى ولو ثبتت السرقة بالبينة لاحتمال صدقه, فصار شبهة دارئة للحد لأنه صار خصما. ويروي عن الشافعي أنه سماه السارق الظريف ( أي الفقيه ) .
وفي قول آخر للشافعي: أنه يجب القطع لئلا يتخذ الناس ذلك ذريعة لدفع الحد عنهم ( مغني المحتاج ج4 ص 161 ، حاشية قليوبي ج4ص188 ، اسنى المطالب ج4ص139)
القول الرابع: أما الإمام أحمد بن حنبل ففي مذهبه ثلاثة أقوال:
القول الأول: كرأي مالك الذي يقول بأنه لا عبرة بالادعاء المجرد عن دليل .