فهرس الكتاب
وقال ابن كثير: (كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النُصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة؛ منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار...) [62] .
وقال أيضًا: (وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أُمر المسلمون - وهم أقل من العشر - بقتال الباقين لشق عليهم... فلما استقروا بالمدينة ووافاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلًا يلجؤون إليه؛ شرع الله جهاد الأعداء) [63] .
وتكاد تجتمع كلمة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذيه ابن القيم وابن كثير؛ على أن حكمة هذا الأمر ترجع إلى الضعف والقوة، وأن الجهاد لم يشرع في مكة نظرًا لما كان عليه المسلمون من الضعف وقلة العدد، فلما صار لهم قوة ومنعة شرع القتال والجهاد.
وبهذا قال الإمام الشافعي في كتاب أحكام القرآن الذي جمعه البيهقي من أقواله، فقد جاء فيه: (قال الشافعي رحمه الله: ولما مضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فترة من هجرته، أنعم الله فيها على جماعات باتباعه، حدثت لهم بها مع عون الله عز وجل قوة بالعدد لم يكن قبلها، ففرض الله عز وجل عليهم الجهاد بعد إذ كان إباحة لا فرضًا، فقال تبارك وتعالى: {كتب عليكم القتال... الآية} ) [64] .
وهذا المعنى - والله أعلم - في غاية القوة، فإنه يتسق مع المعروف من نصوص الشرع الحنيف القاضية بعدم التكليف بما لا يطاق، كما في قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها...} (البقرة: 286) ، وإن كان هذا لا يمنع من وجود حكم أخرى لا يعلمها إلا الله، وقد يفتح بها على بعض عباده المؤمنين.
وقد وجدت للأستاذ سيد قطب رحمه الله كلامًا في هذه المسألة أحببت أن أشير إليه، لما فيه من حسن أدب مع الله، حيث يقول رحمه الله: (أما حكمة هذا فلسنا في حل من الجزم بها لأننا حينئذ نتألى على الله ما لم يبين لنا من حكمة، ونفرض على أوامره أسبابًا وعللًا قد لا تكون هي الأسباب والعلل الحقيقية، أو قد تكون ولكن يكون وراءها أسباب وعلل أخرى لم يكشف لنا عنها ويعلم سبحانه أن فيها الخير والمصلحة، وهذا هو شأن المؤمن أمام أي تكليف أو أي حكم في شريعة الله لم يبين الله سببه محددًا جازمًا حاسمًا، فمهما خطر له من الأسباب والعلل لهذا الحكم أو لذلك التكليف، أو لكيفية تنفيذ هذا الحكم أو طريقة أداء ذلك التكليف مما يدركه عقله ويحسن فيه فينبغي أن يعتبر هذا كله مجرد احتمال ولا يجزم - مهما بلغت ثقته بعلمه وعقله وتدبره لأحكام الله - بأن ما رآه هو الحكمة التي أرادها الله نصًا، وليس وراءها شيء وليس من دونها شيء فذلك التحرج هو مقتضى الأدب الواجب مع الله... وبهذا الأدب الواجب نتناول حكمة عدم فرض الجهاد في مكة وفرضيته في المدينة، نذكر ما يتراءى لنا من حكمة وسبب على أنه مجرد احتمال وندع ما وراءه لله لا نفرض على أمره أسبابًا وعللًا لا يعلمها إلا هو... إنها أسباب اجتهادية تخطيء وتصيب وتنقص وتزيد ولا نبغي بها إلا مجرد تدبر أحكام الله وفق ما تظهره لنا الأحداث في مجرى الزمان) [65] .
وبعد هذه المقدمة الطيبة التي تنم كما أسلفنا عن أدب جم مع الله تعالى، كما تنم أيضًا عن فهم جيد للقضية المطروحة - وهي قضية حكمة التشريع - يشرع سيد في بيان تصوره لتلك الحكم التي يحددها في سبع نقاط، نلخصها فيما يلي:
ربما كان ذلك؛ لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد، ومن أهداف تلك التربية تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم يقع على شخصه أو على من يلوذون به ليخلص من شخصه ولا تعود ذاته، ولا من يلوذون به محور الحياة في نظره وتربيته كذلك على ضبط أعصابه فلا يندفع لأول مؤثر ولا يهتاج لأول مهيج.
وربما كان ذلك أيضًا لأن الدعوة السلمية أشد أثرًا وأنفذ في مثل بيئة قريش ذات العنجهية والشرف والتي قد يدفعها القتال معها في مثل هذه الفترة إلى زيادة العناد.
وربما كان ذلك أيضًا اجتنابًا لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة تعذب المؤمنين بل كان ذلك موكولًا إلى أولياء كل فرد يعذبونه هم ويفتنونه ويؤدبونه.
وربما كان ذلك لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم هم بأنفسهم سيكونون من جند الله المخلصين.