فهرس الكتاب
وربما كان ذلك لأن النخوة العربية من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى ولا يتراجع، وبخاصة إذا كان الأذى واقعًا على كرام الناس فيهم، فابن الدغنة - مثلًا - لم يرض أن يترك أبا بكر يهاجر ويخرج من مكة ورأى في ذلك عارًا على العرب، وعرض عليه جواره وحمايته.
وربما كان ذلك أيضًا لقلة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكة ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة ويبقى الشرك.
في الوقت ذاته لم تكن هناك ضرورة ملحة لتجاوز هذه الاعتبارات كلها؛ لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائمًا وقتها ومحققًا، وهو وجود الدعوة في شخص الداعية صلى الله عليه وسلم، وشخصه في حماية سيوف بني هاشم، فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع [66] .
هذا ملخص ما ذكره سيد رحمه الله، نتركه بلا تعليق، وربما نعود إليه بعد قليل.
ولننظر الآن في رأي الدكتور البوطي في هذه القضية من خلال الكتاب المشار إليه.
إن الدكتور البوطي يرى أن المسلمين في مكة: (كانوا أفرادًا قلة متناثرين وسط كثرة من الناس التائهين والضالين المشركين... إذن فالمسلمون في مكة كانوا فقراء إلى الأرض التي تكون دارًا لهم، وإلى النظام الذي ينسج صلة ما بينهم ويجعل منهم مجتمعًا تستقر أركانه فوق الأرض، ومن ثم لم يكن لهم وراء العقيدة التي يدعون إليها وينافحون بالفكر عنها أي حق ثابت ينهضون بحراسته ويقاتلون من دونه إن اقتضى الأمر، ومن ثم لم يكن للجهاد القتالي أي مبرر آنذاك...) [67] .
ويذكر المؤلف أن القتال شرع في المدينة: (... لأن الله أكرم المسلمين لدي هجرتهم إلى المدينة بالأرض التي أورثهم إياها ومكنهم منها والجماعة الإسلامية التي تكاثرت فوق تلك الأرض والنظام الذي جمع شملهم ووحد سلطانهم... إذن فالجهاد القتالي الذي شرع لدي استقرار المسلمين في المدينة... إنما شرع دفاعًا عن هذه الحقوق الثلاثة الأرض التي أورثهم الله إياها، والجماعة المسلمة التي ترسخ وجودها فوق تلك الأرض، والنظام السلطوي الذي أعطى تلك الجماعة القوة والفاعلية. وقد علمت أن المسلمين لم يكونوا يملكون شيئًا من ذلك من قبل) [68] .
وينكر المصنف على من يرون أن علة عدم مشروعية القتال بمكة هي ضعف المسلمين وقلة عددهم، ويقول: (ومما يؤكد بطلان هذه العلة لعدم مشروعية القتال آنذاك أن الأمر لو كان كذلك، أي لو كانت العلة عجز النبي صلى الله عليه وسلم عن المقاومة وعن رد الكيد بمثله؛ إذن لفرضت الطبيعة البشرية نفسها على حاله وتصرفه ولتجلى ذلك - على أقل تقدير - في حقد ينفثه أو توعد يشفي به غليله ولدعا عليهم ذات مرة بالسحق والمحق، سيما وأن دعاء الرسل والأنبياء أمضى من أسلحة الثائرين، ولكنا قد علمنا أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يستقبل عدوان المشركين إلا بمزيد من الشفقة والرحمة، وما حرك لسانه بالدعاء عليهم حتى في أحلك الساعات وأقسى الظروف التي مرت به في تلك السنوات الطوال التي أمضاها في مكة) [69] .
إذن فالكاتب يرى أن السبب في مشروعية الجهاد في العصر المدني دون العصر المكي؛ أنه في العصر المدني فقط اكتملت للمسلمين مقومات الدولة بالمعنى السياسي الحديث، أي الأرض والشعب والسلطة الحاكمة، وأنه لا معول على قضية الضعف والقوة التي قررها العلماء من قبل.
وقد كان يمكن تجاوز هذا الرأي وعدم الوقوف عنده؛ لو أن الكاتب اقتصر على أن رأيه ذاك إنما هو فقط في بيان حكمة التشريع، أي لو اكتفى بالقول بأن ذلك الرأي هو جواب عن السؤال؛ لماذا شرع الجهاد في العصر المدني دون المكي؟ لكنه لم يكتف بذلك بل جعل ما ذكره علة للجهاد القتالي ذاته.