فهرس الكتاب
أما الحنفية: فيرون أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] ، لأنها نزلت بعدها، لأن سورة التوبة نزلت بعد سورة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن لا دليل على النسخ، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنه من وفادى وبادل الأسرى وقتل واسترق.
أما بالنسبة للمن؛ ففي صحيح مسلم عن أنس أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم فأخذهم صلى الله عليه وآله وسلم سلما فأعتقهم، فأنزل الله عز وجل: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة} [الفتح: 42] [58] .
وعن جبير بن مطعم؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر: (لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له) [59] .
وفي الصحيحين؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من على ثمامة بن أثال من بني حنيفة وهو سيد أهل اليمامة [60] .
أما الدليل على جواز الفدية:
حديث ابن عباس رضى الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهيلة يوم بدر أربعمائة) [61] .
وأما الدليل على مبادلة الأسرى:
فقد جاء في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فادى بالرجل الذي من بني عقيل - صاحب العضباء - برجلين من المسلمين.
العضباء؛ اسم ناقة الأعرابي التي أصبحت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [62] .
ولقد ورد عن أبي حنيفة روايتان أظهرهما عدم الجواز، وأما الصاحبان فقد أجازا مبادلة الأسرى [63] .
ولقد قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجال بني قريظة وهم بين الستمائة والسبعمائة. وقتل يوم بدر النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط [64] ، وهذا دليل على جواز قتل الأسرى.
الرأي الراجح في الأسرى:
لا شك أن الرأي الراجح في الأسرى هو رأي الجمهور؛ وهو أن الإمام مخير في الأسرى بما فيه مصلحة المسلمين بين القتل والاسترقاق والمن والفداء بمسلم أو مال. وهذا الرأي الذي تدعمه الأدلة، فالإمام يختار الأصلح للمسلمين بالنسبة للأسرى.
جاء في الشرح الكبير مع المغني [01/704] : (فإن كان فيهم من له قوة ونكاية في المسلمين فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذي له مال كثير ففداؤه أصلح، ومنهم حسن الرأي في المسلمين يرجى إسلامه بالمن عليه أو معونته للمسلمين بتخليص أسراهم أو الدفع عنهم فالمن عليه أصلح، ومنهم من ينتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاقة أصلح كالنساء والصبيان، والإمام أعلم بالمصلحة ففوض ذلك إليه) .
إذا أثبت ذلك فإن هذا تخيير مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة، فمتى رأى المصلحة في خصلة لم يجز اختيار غيرها، لأنه يتصرف لهم على سبيل النظر لهم، فلم يجز له ترك ما فيه الحظ كولي اليتيم، ومتى حصل عنده تردد في هذه الخصال فالقتل أولى.
قال مجاهد في أميرين، أحدهما يقتل الأسرى؟ وهو أفضل، وكذلك قال مالك. وقال اسحق: (الإثخان أحب إلي، إلا أن يكون معروفا يطمع به في الكثير) .
حكم الأسير الشيوعي الأفغاني:
كثير من الشيوعيين إذا أسرهم المجاهدون وشعروا أنهم سيقتلون ينطقون بالشهادتين، ومع ذلك فإن المجاهدين يقتلونهم، واعترض بعض الناس على هذا الفعل ظانين أن كلمة الشهادة تعصم دمه. وقد استشهد هؤلاء الناس بحديث أسامة: (كيف قتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟) .
والحق أن الحال في أفغانستان يختلف، إذ أن المجاهدين من عادتهم إذا أسروا أسرى جاءوا بهم إلى مجلس القضاء في الحزب، فيحققون معهم، وهم يعرفون بعضهم البعض، فعندما يتأكدون أنه شيوعي، ويعرف عليه أهل قريته، فإنهم يقتلونه سواء نطق بالشهادتين أو صلى أو أقام شعائر الإسلام.
نعم! إن الحكم الشرعي في الكافر الأسير إذا أسلم أنه لا يجوز قتله ويصبح معصوم الدم، ويصير رقيقا في الحال، له حكم الأطفال، فلا يجوز قتله ويصبح عبدا، وهذا عندما تكون كلمة"لا إله إلا الله"، هي الفارق بين الكفر والإسلام.
أما الحال في أفغانستان فهو مختلف تماما، إذ أن بابراك كارمل ونجيب زعيم الحزب الشيوعي الأفغاني الذي يمسح الإسلام من أفغانستان يقول أنا مسلم ويصلي وتظهر صورته بالتلفاز. ومثل هؤلاء يقتلون ولا يقبل ادعاؤهم.
وإليك الأدلة على صحة هذا الحكم:
1)أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح في مجموعة: (أقتلوهم ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة) ، منهم المقيس بن ضبابة وابن خطل والجاريتين اللتين كانتا تغنيان بهجائه، مع أن نساء أهل الحرب لا يقتلن كما لا تقتل الذرية. وقد صح أن ابن خطل قتل وهو معلق بأستار الكعبة [65] .