فهرس الكتاب
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر فلمّا كان بحرة"الوبرة"أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه فلما أدركه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت لاتبعك وأصيب معك, قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تؤمن بالله ورسوله ؟"قال: لا ، قال:"فارجع فلن استعين بمشرك"قالت: ثم مضى حتى إذا كنا"بالشجرة"أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أول مرة قال:"فارجع فلن أستعين بمشرك"قال ثم رجع فأدركه"بالبيداء"فقال له: كما قال أول مرة"تؤمن بالله ورسوله"قال: نعم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فانطلق ) [ مسلم: 1817 ] .
قلت: والحديثُ صريحٌ في منع غير المسلم من الجهاد مع المسلمين فالرجل عرض نفسه مرارًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو معروف بشجاعته ونجدته وجرأته ، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرحون بمقدمه ومع ذلك أبى النبي صلى الله عليه وسلم الاستعانة به .
2/ البلوغ:
والبلوغ كذلك شرط من شروط وجوب الجهاد ، لما يتطلب من قوة البدن ، وصلابة البنية ولما في الحديث الصحيح عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: عُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزي ، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ) [ مسلم: 1867 ] .
3 / العقل:
قال ابن قدامة ( المغني: 9/ 163 ) : ( والمجنون لا يتأتى منه الجهاد ) وقال الشنقيطي في الأضواء ( 8/ 174) : ( فمن المتفق عليه ما أخرج من عموم خطاب التكليف كالصغير والنائم ، والمجنون ، لحديث"رفع القلم عن ثلاثة".
قلت: والحديث رواه ابن حبان والحاكم وغيرهما عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( رفع القلم عن ثلاثة ،عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الغلام حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق ) [ ابن حبان: 142] [ الحاكم: 8169] [ ابن خزيمة: 1003 ] .
4 / الحرية:
ويشترط كذلك لوجوب الجهاد الحرية لأنّ منفعة العبد لسيده فلا يجاهد إلا بإذنه ولأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع العبيد على الإسلام دون الجهاد .
5 / الذكورة:
وهو شرط في وجوب الجهاد للحديث الصحيح أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: ( قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل على النساء جهاد ؟ فقال: جهاد لا قتال فيه ، الحج والعمرة ) .
وللإجماع على أنّ النساء لا يلزمهن الجهاد وسيأتي ذكر من نقل الإجماع من أهل العلم - إن شاء الله -
ولأنهن ضعيفات الأبدان ، عاجزات عن مقاتلة الرجال بلا شك .
6 / القدرة:
والقدرة يراد بها: قدرة البدن على القتال والكرّ والفر ، وقدرة المال بأن يكون معه ما يكفيه للانتقال إلى ساحة القتال ويكفيه من التجهز للجهاد .
وقد ذكر الله البكاءين الذين عجزوا عن مؤنة الجهاد فرفع عنهم الحرج فقال سبحانه: ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع ألا يجدوا ما ينفقون ) .
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه إنّي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من الأشعريين نستحمله فقال: ( والله ، لا أحملكم وما عندي ما أحملكم , وأُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل فسأل عنّا فقال أين النفر الأشعريون فأمر لنا بخمس ذود غرّ الذرى فلما انطلقنا قلنا:: ما صنعنا؟! ، لا يبارك لنا!! فرجعنا إليه فقلنا: إنا سألناك ، أن تحملنا فحلفت أن لا تحملنا أفنسيت؟؟ ، قال: لست أنا حملتكم ، ولكن الله حملكم . إنّي والله ، إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها . [ البخاري: 2964 ] [ مسلم: 1649] .
وجه الدلالة: أنّ الأشعريين لمّا لم يجدوا رواحل تحملهم جلسوا ولم يخرجوا للجهاد ، وعذرهم الرسول صلى الله عليه وسلم فلما بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإبل خرجوا بعد ذلك .
حُكْمُ جهاد النساء في المذاهب الأربعة:
الأحناف:
قال الكاساني في البدائع: ( 7/98) : ( و لا جهادَ على الصبي والمرأة لأنّ بنيتهما لا تحتملُ الحربَ عادة ) .
المالكية:
قال الدسوقي في حاشيته: ( 2/175) : ( ولا يلزم الصبي والأنثى وهذا إذا لم يُعيَّنا أو عُيِّنا غير مطيقين وإلا لزمهما ) .
وقال العدوي في حاشيته ( 2/4 ) : ( وهو فرضُ كفاية على الحرِّ الذكر المحقق العاقل البالغ القادر لا على أضدادهم ) .
قوله: ( لا على أضدادهم ) ، أي: لا جهاد على العبد والأثنى والمجنون والصغير والعاجز .
الشافعية:
قال الشافعي في الأم: ( 4/162 ) : ( فلما فرض الله تعالى الجهاد دلّ في كتابه ، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لم يفرض الخروج إلى الجهاد على مملوك أو أنثى بالغ ولا حر لا يبلغ .. وقد قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:( حرّض المؤمنين على القتال ) فدلّ على أنّه أراد بذلك الذكور دون الإناث ؛ لأنّ الإناث: المؤمنات .