فهرس الكتاب

الصفحة 1162 من 1664

وكانوا إذا فرت طائفة من الجيش الإسلامي وتركته ورجعت إلى المدينة، بسبب ما رأت تلك الطائفة من كثرة العدو وغلبة ضعفها البشري عن التحمل والثبات، كانوا يستقبلون تلك الطائفة بالتأنيب ويَحثُون التراب عليهم، ويعيرونهم بقولهم لهم: يا فُرَّار فررتم في سبيل الله [السيرة النبوية لابن هشام (2/18) والبداية والنهاية لابن كثير (4/248) ] .

فهل بقي هذا المقياس للتكريم أو التأنيب عند المسلمين؟

لقد انعكست الأمور وانقلبت الموازين واختلت المقاييس وأصبح الخونة الجبناء الذين يبيعون الدين والأرض والشعوب للأعداء الكافرين، هم موضع التكريم وإذا خضع أحدهم لعدو المسلمين فركع له واستسلم وتآمر على شعبه ودينه وأرضه، ثم رجع إلي ذلك الشعب، رأيت غوغاء الناس وهم يركضون لاستقبال الزعيم والتصفيق له كأنهم قطعان من الحيوان، يهتفون بحياته ويثنون على خطواته، ويلقبونه بألقاب الفاتحين الأبطال، وقليل هم الذين يدركون الخيانة ويعرفون الخونة، فتراهم ينظرون إلى تلك الجموع الضائعة متعجبين مشفقين، يدعون لها بالهداية والإنابة إلى الله.

وهؤلاء القليل مغلبون على أمرهم لا حول لهم ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، محاصرون من كل جانب لا يملكون أن يوصلوا إلى تلك الجموع الضائعة الخاسرة كلمة الحق عن طريق أقل وسيلة للإعلام، وإذا تجرءوا فقالوا كلمة حق بأي وسيلة اتهموا بالشذوذ والتآمر على مصالح الشعب والخروج عن الصف، وقيل فيهم ما قال أعداء الله من قبل في ذوي الصلاح والهدى والدعوة إلى الله بأنهم خارجون على النظام مفسدون، يريدون القضاء على مكاسب الشعب التي حققها له القادة الأبطال: {قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما، ويذهبان بطريقتكم المُثْلى} [طه:63] .

وبمقدار ما تُسلط أجهزة الإعلام على أولئك الصالحين لتصفهم بكل أوصاف الذم حتى يظهروا أمام الجموع الضائعة بمظهر الشذاذ المفسدين الذين يجب نبذهم وعدم الإصغاء إلى آرائهم، بمقدار ذلك أو أكثر تكيل تلك الأجهزة المديح والثناء للأبطال المتآمرين حتى يصبحوا هم الملائكة الأبرار، الذين لا يريدون إلا الحق ولا يسلكون إلا سبيل الهداية والرشد، فيرتسم في أذهان الغوغاء أن هؤلاء الضالين المفسدين هم الهداة المهتدون، وأن أولئك المجاهدين الأبرار، هم أهل الغواية والضلال.

وقد سبق هؤلاء الذين يقلبون الحقائق، فيظهرون الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق، سبقهم إخوانهم الذين سجل التاريخ عليهم كل تصرفاتهم، فلحقتهم لعائن الله في الأرض وتنتظرهم نقمته في الآخرة.

{وقال فرعون ذروني أقتلْ موسى ولْيَدْعُ ربَّه، إني أخاف أن يبدِّل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} [غافر: 26] .

قال فرعون {ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرَّشاد} [غافر: 29]

ومن العجائب المحزنة أن نرى الاحتفاء والتكريم لرفسة كرة قدم ناجحة في ملعب تحضره الآلاف المؤلفة من المشجعين الذين تطرب قلوبهم فرحا، وترقص أبدانهم تعبيرا عن الرضا، رافعين أعلام النصر الكروي... ثم تراهم بعد ذلك يملئون شوارع المدن وميادينها، مزعجين الناس بأبواق السيارات، وصياح الحناجر، وتصفيق الأيدي.. احتفاء بتلك الرفسة المنصورة!

ويتبع ذلك تكريم اللاعبين على أعلى المستويات في الدول العربية، وكأنهم قد أهدوا إلى أمتهم مفتاح بيت المقدس والمسجد الأقصى بعد انتصارهم على اليهود المحتلين!

وجميعهم المكرِمُون والمكرَمون يشاهدون دماء المظلومين المسفوحة، وديارهم المهدمة، وشبابهم المعصوب العينين الذي تركله أقدام اليهود، والنساء المستغيثات السائلات: (وينكم يا عرب؟)

وفي نفس الوقت... ترى أجهزة الأمن في بعض البلدان العربية تطارد المطالبين بمناصرة المظلومين في الأرض المباركة على عدوهم اليهودي المعتدي... تطاردهم أجهزة الأمن أمام المساجد في أيام الجمع، وفي حرم الجامعات... يطاردونهم بالهراوات... والغاز المسيل للدموع... وخراطيم المياه الساخنة... بل وبضباط الكلاب البوليسية ذات الرتب العليا التي تنهش لحوم الغيورين ... يضربون مشايخ العلم ورجال الفكر وزعماء الأحزاب ويهينون كرامتهم، لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر... يطلبون نصر المظلوم وردع المعتدي...!

وتختار أجهزة الأمن تلك من تحترمهم الشعوب، ويستجيبون لندائهم، فيستضيفونهم إلى المعتقلات والسجون، ويسلطون عليهم من دربوهم على التحقيق الظالم الذي تهان فيه كرامات الرجال، ويحقر فيه عظماء الأمة...

وهكذا تجد التكريم والتعظيم للراقصات والمغنيات والممثلات اللاتي تتألق أسماؤهن وأشباههن من الرجال، ويلقبون بالألقاب الرفيعة: النجوم، الرواد العظماء، المبتكرون... وتفتح لهم أبواب الظهور، حتى يصبحوا أئمة الشعوب وقادتها في تحطيم الأخلاق والمعنويات والقضاء على الرجولة الشرف، وهكذا.

والسبب في ذلك أن المقياس عند عامة الناس انقلب من سبيل الله إلى سبيل الشيطان، فكان السلف يكرم أهل سبيل الله لأنه المقياس عندهم، وأصبح المنتسبون إلى الإسلام الآن يكرمون أهل سبيل الشيطان لأنه المقياس عندهم!

كتبه

د . عبد الله قادري الأهدل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت