فهرس الكتاب

الصفحة 1163 من 1664

لكم الله أيها المجاهدون! (2)

الحلقة الأولى

لقد قام المجاهدون في أفغانستان بفريضة الجهاد في سبيل الله، تلبية لأمر الله تعالى به، ومناصرة لإخوانهم الأفغان الذين اعتدى عليهم الملحدون في الاتحاد السوفييتي، وأثبتوا للعالم أن الفئة المؤمنة قادرة على دفع العدو عن بيضة المسلمين ودينهم ونفوسهم ونسلهم وعرضهم وعقولهم وأموالهم... مهما كانت كثرة هذا العدو، ومهما عظمت عدته.

لأن الفئة المؤمنة المجاهدة تتفوق على عدوها بقوة الإيمان بالله والتوكل عليه والثقة في نصره، وتنفذ أمر الله لها بالصبر والمصابرة، وتعلم أنها لا تخسر المعركة على أي حال، فهي فائزة بإحدى الحسنيين: بالنصر أو الشهادة، وتعلم أن الجهاد في سبيل الله لرفع رايته في الأرض، هو سنة أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين الذين لا تطيب نفس المؤمن إلا بالوقوف في صفهم... والسير في قافلتهم الممتدة على مدى الأمكنة الأزمان، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها:

(( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) ) [النساء69]

وقد اهتبل أعداء الله الصليبيون -وعلى رأسهم الدولة الأمريكية - تلك العاطفة الجياشة في نفوس شباب الأمة، وشجاعتهم النادرة، وحبهم للشهادة والموت في سبيل الله أشد من حب أعدائهم للحياة، ففتحوا لهم كوة صغيرة يلجون منها، لدحر المد الشيوعي الذي أخافهم وهدد مصالحهم في المحيط الهندي، وبحر العرب، وخليج النفط العربي، وهدد مصالحهم في المنطقة كلها... وبخاصة استقرار الدولة اليهودية الصهيونية... وسيطرتها على الأمة الإسلامية.

اغتنمت أمريكا تلك الفرصة، ودفعت -كعادتها-دول المنطقة لتأييد رجال الجهاد من الأفغان ومن جميع الشعوب الإسلامية، فأمدوهم بالمال والسلاح، والإغاثة الغذائية والطبية، والتعليمية، ويسروا للمجاهدين من خارج أفغانستان سبل الوصول إلى أفغانستان، وبخاصة المواصلات...

واستنفروا علماء الإسلام ليحثوا الشباب على الجهاد في سبيل الله... وصدرت الفتاوى حينئذ بأن الجهاد فرض عين على كل مسلم قادر، فتنادى المسلمون علماء وعامة، شبانا وشيبا...رجالا ونساء، بل ومراهقين: حي على الجهاد...

وهيئت لهم وسائل الإعداد والتدريب... وانطلقوا في الجبال والوهاد بعزم هو أقوى من صواريخ الأعداء، يتحدون قوة لا قبل لهم بها لولا تثبيت الله لهم بقوة إيمانهم وعلمهم أنهم على حق، وأن عدوهم على الباطل...

وكانت معسكراتهم تذكر بجيوش الفتوحات الإسلامية في القرن الإسلامي الأول: قرآن تُؤَبِّ مع تاليه جبال الأرض وتتجاوب معه كواكب الفضاء... وذكر دائم يرتفع إلى السماء....وتهجد يقوي العزائم و يثبت القلوب عند اللقاء... وتدريب متواصل تتبعه في ميادين القتال مقارعة الأعداء....ونال الشهادة من المجاهدين من اصطفاهم فاتخذهم شهداء...

ونصر سبحانه وتعالى عباده المؤمنين على أعدائهم المعتدين نصرا عظيما، وأذاقهم بعد ظاهر العز ذلا جسيما، فخرجوا يجرون أذيال الهزيمة جرا... وأعقبهم بعد القوة والغنى ضعفا وفقرا.

ومزقهم الله بعد الاتحاد تمزيقا، وفرق دولتهم التي طغت وتجبرت تفريقا، ولم تزل تتجرع كأس الغرور والعدوان، وتكتوي من نفخ كيرها المحرق لهيب النيران، وتستنشق من دخانه الأسود ما أصابها بأخبث أورام السرطان.

وفتح أعداء الإسلام جبهات أخرى للقضاء على المسلمين، في البوسنة والهرسك، وفي الشيشان، وفي كوسوفا... فهب شباب الجهاد مرة أخرى لنصرة إخوانهم في تلك البلدان، وأبلوا بلاء حسنا، وبدا واضحا لأعدائهم أن لهم شأنا في الوقوف ضد ظلم المسلمين في كل مكان.

وعندما رجع كثير من المجاهدين إلى بلدانهم، استقبلتهم أجهزة أمنها استقبال المجرمين، وحاصروهم حصار الأجانب المعتدين، وأغلظوا عليهم في التحقيق والتعذيب، وعاملوهم بإهانات التي لم يكونوا يظنون أن إخوانا لهم في أوطانهم قد سقطوا في حمأتها.

كما انقضت عليهم وسائل الإعلام انقضاض الوحوش على طرائدها، فأطلقت عليهم من الألقاب المنفرة الظالمة ما شاءت، مثل"الأصوليين، المتشددين، الإرهابيين"

كان ذلك جزاءهم، بدلا من الترحيب بهم، وتهنئتهم بالنصر، وتعزيتهم في زملائهم الذين لقوا ربهم، وإشعارهم بالمحبة والعطف، ووضعهم في مكانهم اللائق بهم، في المواقع العسكرية، والاستفادة من خبراتهم، وإعدادهم لليوم المحتوم مع العدو اليهودي الذي لا يصلح لمواجهته إلا أمثالهم.

ومن حَسُنَ حظُّه منهم فأطلق سراحه من زنازين الاعتقال وغياهب السجون، لقي سوء حظه في إخافته بالمراقبة الدائمة، والاستدعاء المتواصل إلى الجلادين الذين ورَّثت تحقيقاتهم الظالمة لكثير منهم أمراضا نفسية وحالات مزعجة من الإحباط، ولم يقتصر الأذى على المجاهدين، بل نال أسرهم من الأذى المعنوي الشيء الكثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت