فهرس الكتاب
إن تحقيق المناط على فرض تزاحم الأوصاف التي يتعلق بها الحكم أمر لابد منه لأي محقق يريد معرفة مراد الله سبحانه وتعالى من كلامه ، فلو رجعنا لأسباب النزول والسياق الخاص بآية الحكم لوقفنا على معنى مطرد يحدد بدقة الوصف المناسب الذي تعلق به حكم الكفر في هذه الآية ألا وهو ( الاصطلاح على حكم مخالف لحكم الله )
ففي حديث البراء ابن عازب رضي الله عنه نجد أن اليهود اصطلحوا على تبديل حكم الله في الزنى من الرجم إلى الجلد والتحميم .
فأولا:
الكفر في الآية لم يعلق بالجحود وإنما هو معلق بترك الحكم بما أنزل الله فتعليق الحكم بمناطه المذكور أولى والعدول عنه بلا دليل شرعي باطل ! .
وثانيا:
سياق الآيات من أوله إلى آخره لم يشر ولو مرة واحدة إلى الجحود وإنما الكلام كله في تحريف الحكم والرضى بالحكم والتولى عن الحكم والتحكيم …..كما هو مبين من السياق كما سيأتي:.
-فالسياق يبدأ من قوله تعالى:"فلا يحزنك الذين يسارعون في الكفر"
قال بن كثير رحمه الله:
"نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر الخارجين عن طاعة الله ورسوله المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عز وجل…"
وقال سبحانه"يحرفون الكلم من بعد مواضعه"
قال ابن كثير:
أي يتأولونه على غير تأويله ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.
قال تعالى"يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا"
قال ابن كثير:
( قيل نزلت في أقوام من اليهود قتلوا قتيلا وقالوا تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد فإن حكم بالدية فاقبلوه وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرفوه واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم والإركاب على حمارين مقلوبين فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم تعالوا حتى نتحاكم إليه فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه واجعلوه حجة بينكم وبين الله ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك….) ا.هـ
قال تعالى: وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين""
يقول ابن كثير:
( وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لامحالة ولكن هذا بوحي خاص من الله عز وجل إليه بذلك وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطؤا على كتمانه وجحده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة فلما اعترفوا به مع علمهم على خلافه بان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم وعدولهم إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به ولهذا قالوا إن أوتيتم هذا أي الجلد والتحميم فخذوه أي اقبلوه وإن لم تؤتوه فاحذروا أي من قبوله واتباعه…) ا.هـ
إلى قوله تعالى:
( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )
-قال البيضاوي في تفسيره ج: 2 ص: 328
( ولا تشتروا بآياتي ولا تستبدلوا بأحكامي التي أنزلتها ثمنا قليلا هو الرشوة والجاه ومن لم يحكم بما أنزل الله مستهينا به منكرا له فأولئك هم الكافرون لاستهانتهم به وتمردهم بأن حكموا بغيره ولذلك وصفهم بقوله الكافرون و الظالمون و الفاسقون فكفرهم لإنكاره وظلمهم بالحكم على خلافه وفسقهم بالخروج عنه ويجوز أن يكون كل واحدة من الصفات الثلاث باعتبار حال انضمت إلى الامتناع عن الحكم به ملائمة لها أو لطائفة كما قيل هذه في المسلمين لاتصالها بخطابهم والظالمون في اليهود والفاسقون في النصارى ) ا.هـ
وقال ابن كثير ج: 2 ص: 61
( قال تعالى منكرا عليهم آرائهم الفاسدة ومقاصدهم الزائغة في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنهم مأمورن بالتمسك به أبدا ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم فقال وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران فقال إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا أي لا يخرجون عن حكمها ولايبدلونها ولا يحرفونها) ا.هـ
وجاء في عون المعبود ج: 9 ص: 356