فهرس الكتاب
وهذا مما ضل فيه كثير من الخلق حيث نظروا إلى ظاهر قوله صلوات الله وسلامه عليه في حديث افتراق أمته:"كلها في النار إلا واحدة"فهالهم أن تكفر - بزعمهم - اثنتان وسبعون فرقة من أمته صلى الله عليه وسلم ولا تنجو من الكفر إلا فرقة واحدة، والحق أن ذكر النار في الحديث من باب الوعيد، والوعيد كما أنه يصح لأهل الكفر يصح لعصاة الموحدين وأصحاب الكبائر من أهل القبلة، فإذا عُلم هذا فليعلم كل مسلم أن أهل النجاة هم أتباع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فهم وتطبيق الكتاب والسنة، وكل من عداهم قد سلكوا من الضلال مسلكًا قد يقف بهم عند حدود المخالفة والفسق فيكون وعيدهم بالنار من جنس وعيد عصاة الموحدين من أصحاب الكبائر، وقد يفضي بهم مسلك الضلال إلى مهالك الكفر فيكون وعيدهم بالنار من جنس ما وعد الله تعالى به الكفار والمشركين والمنافقين، وبهذا التفريق والتمييز يندفع الإشكال المتوهم من أن أتباع منهج السنة والجماعة يكفرون غيرهم من المنتسبين إلى القبلة، ولهذا فإن من أهل الفرق والأهواء من يشبه حاله حال شارب الخمر أو مرتكب الزنا فيُنظر إليه بعين الشفقة بغية استنقاذه مما هو فيه، وهؤلاء أيضًا على مراتب بل قد تجد في بعضهم من الحب والحمية للدين ما لا تجده عند غيره من أصحاب الانتساب الصحيح للمنهج مع قصور في الهمة أو الحمية للدين، ولعلك تجد أوضح مثال ٍ على ذلك أن الإمامين الجليلين البخاري ومسلم قد خرَّجا في صحيحيهما لبعض من رُمي بشيء من البدعة لا يكفر بها أعيانهم وما ذلك إلا لما تحققوا فيهم من الصدق والأمانة في الدين بحيث إنه أهون على أحدهم أن يشق نصفين من أن يكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مقابل هؤلاء يجب الحذر من الزمرة الثانية من أهل البدع والأهواء الذي هوت بهم ضلالاتهم في أودية الكفر السحيقة وأرادوا أن يُردوا معهم فئام من أمة التوحيد، وهؤلاء على الجملة هم المنظِّرين والمقعِّدين لهذه الضلالات وهم رؤوسها وكبراؤها وكُتَّابها ودعاتها، وإلى أمثالهم يتوجه جهاد البيان وقد يرى الإمام إعمال السيف في رقاب بعض منهم كما أمر بذلك المعصوم صلى الله عليه وسلم في بعض رؤوس الكفر ممن طعنوا في الإسلام وفي النبي صلى الله عليه وسلم فكان قتلهم لأجل هذا الطعن والفتنة التي أحدثوها لا لمجرد الكفر الذي تلبسوا به، فتأمل.
القاعدة الخامسة: مكافحة أهل الأهواء والبدعة والفرقة علمية وعملية:
وهذا مهم جدًا ويدور مع طبيعة الافتراق الحاصل كما بينا في القاعدة الأولى، فحيث كانت الفُرقة علمية منهجية كانت مجاهدتها بالحجة والبيان، وحيث كانت الفُرقة عملية حسية كانت منازلتها بالشوكة والسنان، ولا يستلزم القتال والقتل في الأخيرة تكفيرًا ولا خروجًا عن الملة وإن كان يحتمله بحسب حال الأصل البدعي المفارَق عليه؛ ولعل بعض الأمثلة التاريخية توضح هذا الأمر ؛ فمكافحة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه للخوارج انطوت على شق علمي حيث بعث إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ليناظرهم ويخاصمهم بالحجة وكانت أقوى حججه عليهم أنهم ليس لهم سلف من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذهبوا إليه من تكفير أهل الكبائر، وشق عملي تمثل في مقاتلة من أصر منهم على استباحة دماء المسلمين ببدعتهم هذه فكان قتاله إياهم من جنس قتال أبي بكر الصديق للمرتدين كما دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في هؤلاء الخوارج:"لئن أنا أدركتهم لأقتلنَّهم قتل عاد" (صحيح البخاري) ، ثم تأمل في قتال أبي بكر الصديق رضي الله عنه للمتنعين عن الزكاة فمنهم من امتنع جحودًا بها فكان قتالهم لردتهم، ومنهم من أقر بها ولكنه تأول عدم استحقاقها لغير الرسول صلى الله عليه وسلم فقاتلهم لامتناعهم لا لكفرهم وهو ما يُعرف في فقه السياسة الشرعية بقتال الطوائف الممتنعة، فتأمل هذه الفروق الدقيقة وهذه التنوعات المسلكية في مكافحة البدعة والفرقة. وهنا أمر تجدر الإشارة إليه وهو أن هذا التنوع المسلكي في مكافحة البدع والأهواء يعني أن أهل الحق لا يعدمون في وقت من الأوقات طريقًا لمكافحة البدعة وقمعها إن بالسنان تحت راية إمام وشوكة فبها ونعمت، وإن باللسان وقفةً حنبليةً ينصر الله بها الدين فبها ونعمت، والحاصل أنه ليس لأتباع محمد صلى الله عليه وسلم أن يضعوا السلاح في وجه البدعة والأهواء ما تعاقب الليل والنهار، فتأمل.
إذا عُلم ما تقدم فإن منهج التعامل مع أهل الفرق والأهواء الذي تقدمت بعض معالمه إنما ينطبق في أكمل صوره على حالة الاستقرار السياسي العقدي للأمة بحيث يكون للأمة إمام تقوم به شوكة الدين ويعلو به عَلَمُ السنة، أما والحال كما ذكرنا من سياقات ضاعت فيها الإمامة الشرعية واستباحت بيضةَ الدين فيها جحافلُ الحربيين الكفرة في جزء من بلاد الإسلام وتربصت جحافل أخرى بما تبقى منها، فكيف يكون مسلك مكافحة البدعة والفرقة، وأين أولوية قتال أهل الافتراق حفاظًا على أمن الأمة السياسي من قتال جحافل الكفر التي تتهدد الكيان السياسي للأمة برمته؟