فهرس الكتاب
إن الإجابة على هذه التساؤلات تقوم على أساس التمييز بين ما يختص بالثوابت العقدية الراسخة القائمة على التوقيف المطلق وبين ما يتعلق بفقه السياسة الشرعية القائم على أساس موزانة المفاسد والمصالح درءًا وجلبًا على الترتيب. والأصل فيما سنعرض له من معالم هذا المنهج يقوم على التفريق بين مقام النهي في قوله تعالى:"فلا تطع المكذبين. ودوا لو تُدهن فيدهنون" (القلم - 8-9) ، وبين مقام الرخصة في قوله تعالى:"إلا أن تتقوا منهم تقاة" (آل عمران -28) ، إنه التفريق بين مقام المداهنة المنهي عنها شرعًا ومقام التألف والمداراة المرخص به شرعًا ، وفيما يلي تقرير بعض معالم منهج التعامل هذا:
أولًا: لا مداهنة في مسائل الاعتقاد:
إذ أن الغاية من كل ما نجاهد لأجله هو الحفاظ على هذا المعتقد، وكل ما نسعى إلى تحقيقه من الاجتماع الحسي السياسي وإقامة قلعة الإسلام وأمة الإسلام إنما هو من جنس الوسائل، وإنه لمن السفه بمكان أن نفرط في شيء من المقصد وهو مجموع مفردات العقيدة بحجة المحافظة على وسائل حمايتها، تأمل معي حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ولَيُسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها. فقال له صلة (وهو راوي الحديث) : ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة، فأعرض عنه حذيفة ثم ردها عليه ثلاثًا كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة، تنجيهم من النار ثلاثًا" (ابن ماجة - كتاب الفتن وصححه الألباني رحمه الله) ، والشاهد هنا أن كلمة التوحيد هذه هي مناط النجاة ولو انفرط عقد الجماعة ولو ضاعت معالم الأمة بحيث لم يبق منها إلا أطياف من البشر متناثرين هنا وهناك، ولن تجد نصًا في الكتاب ولا السنة يشير إلى مجرد اجتماع الناس في صورة أمة أو جماعة أو دولة يحقق لهم النجاة بمنأى عن العقيدة، ولهذا يجب أن يستقر في أذهاننا أن مفردات العقيدة ثوابت راسخة لا يصح أن تكون مجال مداهنة أو تنازل مهما كانت الحجة والمبرر كالتذرع بالمحافظة على الجماعة وعدم تشرذم الأمة ونحو ذلك مما يسمى المصلحة الوطنية والوحدة الوطنية، واعلم أنه مهما أمكن الموزانة بين تحقيق الاجتماع الحسي والسلامة في المعتقد فقد وجب ذلك، وأنه مهما ألجأ الواقع إلى التفريط بأحدهما دون الآخر فلا مندوحة عن تفويت كل ما عدا ثوابت العقيدة في سبيل الحفاظ عليها، وتأمل معي كلام الله تعالى حكايةً عن إنكار موسى عليه السلام واقعَ الشرك الذي تلبَّس به بنو إسرائيل:"قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا. ألا تتبعنِ أفعصيت أمري. قال يا ابن أمَّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرَّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي" (طه 92-94) فها هو نبي الله هارون عليه السلام يرجح كفة الاجتماع ويحاول قدر الإمكان استيعاب بدعة الشرك التي جاء بها السامري، ولربما عذر موسى عليه السلام لأخيه هارون عليه السلام اجتهاده ولكنه لم يقره عليه البتة حيث انصرف للتو يطهر هذه الجماعة من رجز الشرك ولوثة العقيدة ، تأمل:"قال فما خطبك يا سامري. قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضةً من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي. قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدًا لن تُخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفًا لنحرقنَّه ثم لننسفنه في اليم نسفًا. إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علمًا" (طه 95-98) ، فلم يراعي موسى عليه السلام أمام تهديد أمن العقيدة أي شيء آخر فالسامري صاحب فكرة وأتباع يُخشى بمجابهته انفراط عقد الجماعة ولكن إذا تعين ذلك لحفظ العقيدة فلا ضير، والعجل له عُبّاده ومريديه (وما أكثر عجول اليوم) وربما أدى تحريقه إلى انفراط عقد الجماعة ولكن لا ضير، صلوات الله وسلامه على كليم الله ما أشد غضبه للحق وفي الحق وبالحق، ألا فليعلم كل مسلم أن لو استلزم الأمر التضحية بكل سامري وخسارة كل عابد عجل في مقابل تحقيق أمن العقيدة ألا فليكن، ألا ولبئس الجماعة التي تحتضن شاكلة السامري وأتباعه بل أي معنى يبقى للجماعة إذا كان مدار تأليف القلوب الإقرار بالشرك بالله أو السكوت عليه على أقل تقدير...
ثانيًا: المداراة مشروعة لدفع الضرر ودرء المفسدة فتقدر بقدرها: