فهرس الكتاب
وهذا من أبجديات فقه السياسة الشرعية، ولتعلم أن الضابط في مشروعية المداراة غياب شوكة أهل الحق، وأن الضابط في حد المداراة ومداه ما يندفع به الأذى والضرر عن جماعة المسلمين فحسب، فتنبه لهذا فإنه دقيق جدًا، وبالغفلة عنه ينجرف البعض في تيارات المداهنة والتمييع والملاطفة ليصبح حاله حال من غصَّ فكاد يختنق فشرعت له شربة خمر متعينة لتذهب غصته فإذا به يسترسل في زجاجة الخمر سادرًا متمتعًا! والحاصل أنه لا يجوز أن يتحول الإذن بالمداراة المرتبط بالضرورة الملجئة إلى مجال تنازل عن شيء من الثوابت العقدية التي إنما فارق أهل البدعة أهلَ السنة بتركها، ففرق بين أن تداري وتتألف قلوب فرقة ضالة لها شوكة يُخشى أن يتضرر منها جماعة المسلمين وبين أن نلغي هذه الأسس العقدية التي افترقنا عليها ونعلن للناس أنه اختلاف بسيط لا يفسد للود قضية وأن التقارب والتقريب بين الفريقين مشروع بل مطلوب بحجة وحدة الصف، وحسبك مثالًا واضحًا اليوم ما تزل به أقدام العديد من حملة العلم المنتسبين إلى السنة من الإعلان بمشروعية ومندوبية - بل ربما وجوب - التقريب مع أهل الرفض ولا أعني بأهل الرفض عوامهم بل منظريهم وعلماءهم وسادتهم ممن يعلمون حقيقة الفساد العقدي الذي يُضلون الخلق به. وقريب من هذا المجال من يتمادى مع منظري وكبراء العلمانية بحجة وحدة الصف الوطني ثم يتخذ من مشروعية المداراة ذريعة لذلك، وغفل هؤلاء أو ما دروا أن هذه المداراة ما شُرعت إلا حيث تعينت طريقًا للحفاظ على سلامة أهل السنة باعتبارهم حملة منهج الحق لا باعتبار ذواتهم وأشخاصهم، فمهما أفضت المداراة إلى تمييع منهج الحق أو تضييع شيء من ثوابته لم تعد مشروعةً البتة، وهذا كله يعود إلى الأصل القرآني فيما أبيح للضرورة حيث قال تعالى:"فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه" (البقرة - 173) ، فمن تجاوز المدارة إلى المداهنة فقد بغى واعتدى وخرج عن حد الإباحة قولًا واحدًا. ثم اعلم رحمك الله أن مبدأ المداراة يقوم في الجملة على ترك الاستعداء وترك الإعلان بالعداوة والبغض في الله لما كان يفضي إليه من منكر أعظم هو الضرر المترتب على ذلك، وهذا يحتاج منك أن تستحضر مراتب إنكار المنكر وتدرك أنه مهما أفضت مرتبة إلى حصول منكر أعظم من الذي تنكره صير إلى مرتبة الإنكار الأدنى حتى تقف عند الإنكار القلبي وهو متعين، ففي حين يشرع قتال الإمام للطوائف الممتنعة والباغية والمفارقة للجماعة في حال الأمن والاستقرار والشوكة فإنه لا يشرع في حال انفراط عقد الجماعة أو انشغاله بما هو أولى من قتال كافرٍ أصلي محارب وصائل ونحوه، وفي حين يشرع استحلال أعراض أهل البدع والفرقة بالتشهير بهم في زمن الأمن وظهور السنة تحذيرًا للناس منهم فإن الإعلان بذلك في زمن الفتنة والهرج قد يفضي إلى إراقة الدماء وسفكها فوجب التلطف في هذا الإنكار اللساني أو النزول إلى رتبة إنكار القلب بحسب الأحوال وهكذا، وهذا النزول متعلق بفضح أعيانهم لا مناهجهم إن كان هؤلاء الأعيان ممن لهم شوكة يُخشى ضررها على أهل الإسلام، فتأمل هذا كله فإنه دقيق جدًا.
فالحاصل أن مبدأ المداراة يقوم في الجملة على ترك الاستعداء وترك الإعلان بالعداوة والبغض في الله لأعيانهم وذوي الشوكة منهم لا لمناهجهم وأصولهم التي لا تنقطع مجاهدتها بالبيان الأولى بالأولى، ولا يقوم أبدًا على الاستخذاء والاسترضاء لرؤوس البدعة ودعاتها، إن المداراة في حقيقتها أقرب إلى التحييد المؤقت لهذه الفئة حتى يُتفرغ لمن هو أعظم خطرًا منها، وإن مشروعية المداراة والتألف مع هؤلاء يجب أن تقتصر على هذا التحييد ولا تتجاوزه إلى شيء من العلاقة الإيجابية اللهم إلا ما دخل في جنس التعاون على البر والتقوى والمعروف مما لا شرط له كدفع صائل ونصرة مظلوم ونحو ذلك مما تتطلبه طبيعة المرحلة، وهذا وفق قاعدة"للمسلمين نفعه وعليه وزره".
ثالثًا: مداراة وتألُّف أهل البدع والافتراق ليست تقريرًا لهم على بدعتهم وضلالاتهم: