فهرس الكتاب
قال الشربيني في الشرح: الحال الثاني من حالي الكفار يدخلون بلدة لنا أو ينزلون على جزائر أو جبل في دار إسلام ولو بعيدًا من البلد فيلزم أهلها الدفع بالممكن منهم ويكن الجهاد حينئذ فرض عين وقيل كفاية واعتمده البلقيني وقال أن نص الشافعي يشهد له فإن أمكن أهلها تأهب استعداد لقتال وجب على كل منهم الممكن أي الدفع للكفار بحسب القدرة حتى على فقير بما يقدر عليه وولد ومدين وعبد ولا إذن من أبوين ورب ودين ومن سيد . وفي معنى دخولهم البلدة ما لو أطلوا عليها والنساء كالعبيد إن كان فيهن دفاع وإلا فلا يحضرن ( و إلا ) بأن لا يمكن أهل البلدة التأهب لقتال بأن هجم الكفار عليهم بغتة فمن قصد من المكلفين ولو عبدًا أو امرأة أو مريضًا دفع عن نفسه الكفار بالممكن له إن علم أنه إن أخذ قتل وإن جوز الأسر والقتل فله أن يدفع عن نفسه وله أن يستسلم لقتل الكفار إن كان رجلًا لأن المكافحة حينئذ استعجال للقتل والأسر يحتمل الخلاص هذا إن علم أنه متى امتنع من الاستسلام قتل وإلا امتنع عليه الإستسلام ، وأما المرأة فإن علمت امتداد الأيدي إليها بالفاحشة فعليها الدفع وإن قتلت لأن الفاحشة لا تباح عند خوف القتل وإن لم تمتد إليها الأيدي بالفاحشة الآن ولكن توقعتها بعد السبي احمتل جواز استسلامها ثم تدفع إذا أريد منها (1) قال: والذين هم على مسافة القصر فأكثر يلزمهم في الأصح إن وجدوا زادًا ومركوبًا الموافقة بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها ومن يليهم دفعًا عنهم وإنقاذًا لهم .
تنبيه: أشار بقوله بقدر الكفاية إلى أنه لا يجب على الجميع الخروج بل إذا صار إليهم قوم فيهم كفاية سقط الخروج عن الباقين .أهـ . (مغنى المحتاج 4/308:220) .
تنبيه:
(1) فرض الكفاية إذا لم يقم به أهله وتركه الجميع أثم كل من لا عذر له من الأعذار السابق بيانها من الصبيان والنساء والمرضى وغيرهم . ذكره النووي في روضة الطالبين .
(2) دليل أن جهاد الطلب فرض كفاية فعل الخلفاء الراشدين وحكى القاضي عبد الوهاب فيه الإجماع ولو فرض على الأعيان لتعطل المعاش . أفاده الشربينى في مغنى المحتاج.
قال القرطبي: إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلوله بالعقر فإذا وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافًا وثقالًا ، شبانًا وشيوخًا ، كل على قدر طاقته من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضًا الخروج إليهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلها لزمهم أيضًا الخروج إليه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو ولا خلاف في ذلك .
وقسم ثان من واجب الجهاد فرض أيضًا على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة مرة يخرج معهم بنفسه حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطو الجزية عن يد ، ومن الجهاد ما هو نافلة وهو إخراج الإمام طائفة بعد طائفة وبعث السرايا في أوقات الغرة وعند إمكان الفرصة والإرصاد لهم بالرباط في موضع الخوف وإظهار القوة فإن قيل كيف يصنع الواحد إذا قصر الجميع قيل له يعمد إلى أسير واحد فيفديه فإنه إذا فدى الواحد فقد أدى في الواحد أكثر مما كان يلزمه في الجماعة فإن الأغنياء لو اقتسموا فداء الأسرى ما أدى كل واحد منهم إلا أقل من درهم ويغزو بنفسه إن قدر وإلا جهز غازيًا
قال صلي الله عليه وسلم"من جهز غازيًا فقد غزا ، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا"أخرجه الصحيح وذلك لأن مكانه لا يغنى وماله لا يكفى .أهـ. (تفسير القرطبي 4/2990-2991) .
قال الكاساني في بدائع الصنائع (10/98) : بيان كيفية فرض الجهاد فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين إما إن كان النفير عامًا وإما إن لم يكن فإن لم يكن النفير عامًا فهو فرض كفاية ومعناه أن يفترض على جميع من هو من أهل الجهاد لكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين لقوله تعالى:
)فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى ( ]النساء:95 [ ، ولو كان الجهاد فرض عين في الأحوال كلها لما وعد الله القاعدين الحسنى لأن القعود يكون حرامًا ، وقوله I: ) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ ( ] التوبة:122[.