فهرس الكتاب

الصفحة 1270 من 1664

لقول الزهري: كانت الفتنة العظمى بين الناس وفيهم البدريون فأجمعوا على أنه لا يقام حد على رجل ارتكب فرجًا حرامًا بتأويل القرآن وليغرم مالًا أتلفه بتأويل القرآن . (المغنى 8/113-مغن المحتاج 4/124) ، وذهب البعض لتضمينهم وهو أحد الوجهين عند الشافعية ورجحه الشوكاني في السيل الجرار (4/559) .

* الخوارج ومانعي الزكاة هل هم أهل بغى ؟

أطلق كثير من العلماء من أتباع المذاهب الأربعة وغيرهم أن مانعي الزكاة والخوارج أهل بغى ، قال الخطابي: مما يجب تقديمه في هذا أن يُعلم أن أهل الردة كانوا صنفين:

الأول: صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر: وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: وكفر من كفر من العرب .

والصنف الآخر: هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام:

وهؤلاء على الحقيقة أهل بغى وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصًا لدخولهم في غمار أهل الردة فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما وأرخ قتال أهل البغي في زمن على بن أبى طالب t إذ كانوا منفردين في زمانه لم يختلطوا بأهل الشرك .إلى أن قال: فإن قيل كيف تأولت أمر الطائفة التي منعت الزكاة على الوجه الذي ذهبت إليه وجعلتهم أهل بغى ؟ وهل إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة وامتنعوا عن أدائها يكون حكمهم حكم أهل البغي ، قلنا لا فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافرًا بإجماع المسلمين ، والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم عذروا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان منها قرب العهد بزمان الشريعة الذي كان يقع معه تبديل الأحكام ومنها أن القوم كانوا جهالًا بأمور الدين ، وكان عهدهم بالإسلام قريبًا فدخلتهم الشبهة فعذروا ، فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام واشترك فيها العالم والجاهل فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها ،وكذا الأمر في كل من أنكر شيئًا مما أجمعت عليه الأمة من أمور الدين إذا كان علمه منتشرًا كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم ونحوها من الأحكام إلا أن يكون رجلًا حديث عهد بالإسلام ولا يعرف حدوده ، فإنه إذا أنكر شيئًا منها جهلًا به لم يكفر وكان سبيله أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه ، فأما ما كان الإجماع فيه معلومًا من طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها ، وأن القاتل عمدًا لا يرث ، وأن للجدة السدس ، وما أشبه ذلك من الأحكام فإن من أنكرها لا يكفر بل يعذر لعدم استفاضة علمها في العامة .أهـ. من شرح مسلم للنووي (1/173) .

يتضح من هذا الكلام النفيس أن التأويل المقطوع ببطلانه ولكنه لا يخالف المعلوم من الدين بالضرورة وانتشر علمه في العامة يمنع من التكفير لكن لا يمنع من القتال ، والذي يختاره الخطابي أن التأويل الباطل يعتبر في إعطاء حكم البغاة لأصحابه ، وقد سبق كلام النووي (أنظر صفحة 15) ومثله كلام ابن قدامة إذ قال في المغنى (8/107) والصحيح إن شاء الله أن الخوارج يجوز قتلهم ابتداءًا والإجازة على جريحهم ، والذي يظهر من صنيع الإمام البخاري رحمه الله التفرقة بين أهل البغي وبين مانعي الزكاة والخوارج إذ بوّب قتال مانعي الزكاة والخوارج في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم لا في أبواب قتال أهل البغي فقال: باب قتال من أبى قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردة . وقد سبق بيان معنى الردة في حقهم وكلام الخطابي وأنها عن بعض الدين لاعن أصل الدين .

وبوب لقتال الخوارج فقال باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم .

قال ابن حجر رحمه الله في فتح البارى (12/280) : والذين تمسكوا بأصل الإسلام ومنعوا الزكاة بالشبهة التى ذكروها لم يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجة وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم هل تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم كالكفار أو كالبغاة ؟ فرأى أبو بكر الأول وعمل به وناظره عمر في ذلك وذهب إلى الثانى ووافقه غيره في خلافته على ذلك واستقر الإجماع عليه في حق من جحد شيئًا من الفرائض بشبهة فيطالب بالرجوع فإن نصب القتال قوتل وأقيمت عليه الحجة فإن رجع وإلا عومل معاملة الكافر حينئذ ويقال أن أصبغ من المالكية استقر على القول الأول فعُد من ندرة المخالف . قال النووي: الخوارج صنف من المبتدعة يعتقدون أن من فعل كبيرة كفر وخلد في النار.

قال الشافعي: وجماهير الأصحاب y لو أظهر قوم رأى الخوارج وتجنبوا الجماعات وكفروا الإمام ومن معه فإن لم يقاتلوا وكانوا في قبضة الإمام لم يقتلوا ولم يقاتلوا ثم إن صرحوا بسب الإمام أو غيره من أهل العدل عزروا وإن عرضوا ففي تعزيزهم وجهان أصحهما لا يعزرون ولو بعث الإمام إليهم واليًا فقتلوه فعليهم القصاص وهل يتحتم قتل قاتله كقاطع الطريق لأنه شهر سلاح أم لا لأنه لم يقصد إخافة الطريق وجهان أصحهما لا يتحتم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت