فهرس الكتاب
وقد نقل ابن كثير في البداية والنهاية روايتين عن علي t في أموال الخوارج وأسند أنه لم بخمس أموالهم ولم يقسمها وأمر بتفريق من لم يقتل منهم في قبائلهم ، وهذا يدل على أنه لم يكن يكفرهم بأعيانهم ولم ينقل عنه قط أنه سبى النساء والذراري ويمكن حمل الأحاديث التي وردت في مروقهم من الدين وأنهم كلاب النار وهى متواترة في ذمهم على من كان منافقًا كافرًا في الباطن كما قال ابن تيمية - رحمه الله - في كتاب الإيمان (وكذلك سائر الثنتين وسبعين فرقة من كان منهم منافقًا فهو كافر في الباطن ومن لم يكن منافقًا بل كان مؤمنًا بالله ورسوله في الباطن وإن أخطأ التأويل كائنًا ما كان خطؤه وقد يكون فيه شعبة من النفاق ولا يكون فيه النفاق والذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار .أهـ.
* مما سبق يتضح أنه:-
1-اختلف العلماء في تكفير الخوارج ومانعي الزكاة الذين يقاتلون على منعها على قولين الراجح منها وهو قول جماهير العلماء عدم التكفير بالعموم وهو المنقول عن على t في الخوارج .
2-أجمع العلماء على ذم الخوارج وتبديعهم ومثلهم مانعي الزكاة ومن أبى التزام الفرائض وحق الإسلام وأنهم ليسوا كمن خرج على الإمام بتأويل سائغ معتبر فلا يفسق بذلك عند جماهير العلماء ، وأجمعوا على أن الصحابة كلهم عدول ولا يفسق أحد منهم ولو وصفوا بالفئة الباغية .
3-ومع ذلك يرى أكثر العلماء أن قتال الخوارج ومانعي الزكاة من جنس قتال البغاة فلا يغنم مال ولا تسبى لهم ذرية ولا يذفف على جريح ولا يقتل أسير ولا يتبع مدبر والواحد المقدور عليه منهم لا يجوز قتله ولا يجب ابتداؤهم بالقتال إذا لم ينصبوا حربًا ولم يستعدوا لذلك (فتح الباري 12/298) .
4-ويرى بعض العلماء أن قتال الخوارج ومانعي الزكاة قسم ثالث ليس كقتال المرتدين ولا كقتال البغاة فيجوز الإجازة على الجريح وقتل الأسير والواحد المقدور عليه ما لم يكن في قتله مفسدة راجحة وتقسم أموالهم كغنائم ويجب قتالهم ابتداء وهم من الذين يحاربون الله ورسوله ، ويسعون في الأرض فسادًا وهذا ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية . والخلاف في هذه المسألة خلاف سائغ يجتهد فيه الإمام أومن يقوم مقامه في الجهاد .
الطائفة الثانية: قتال المحاربين وقطاع الطريق:
الأصل في ذلك قوله تعالى: )إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( ]المائدة:33-34[ .
روى الجماعة عن أنس أن ناسًا من عكل قدموا على النبي صلي الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فاستوخموا المدينة فأمر النبي صلي الله عليه وسلم بِذَوْدِ وراعِ ، وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحَرَّة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي صلي الله عليه وسلم واستاقوا الذود فبلغ ذلك النبي صلي الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم .
قال الشوكاني في السبيل الجرار (4/368) : وكون سبب نزولها في المشركين الذين أخذوا لقاح النبي صلي الله عليه وسلم لما شكوا إليه وباء المدينة لا يدل على اختصاص هذا الحد بهم فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
قال القرطبي في تفسير الآية: قال مالك المحارب عندنا من حمل على الناس في مصر أو في برية وكابرهم عن أنفسهم وأموالهم دون ثائرة (هياج) ولا ذحل (ثأر) ولا عداوة .
قال ابن المنذر اختلف عن مالك في هذه المسألة فأثبت المحاربة في المصر ونفى ذلك مرة ، وقالت طائفة حكم ذلك في المصر أو في المنازل والطرق وديار أهل البادية والقرى سواء وحدودهم واحدة وهذا قول الشافعي وأبى ثور ، قال ابن المنذر: كذلك هو لأن كلًا يقع عليه اسم المحاربة والكتاب على العموم وليس لأحد أن يخرج من جمله الآية قومًا بغير حجة .أهـ.
قال النووي في روضة الطالبين (10/154) : تعتبر فيهم الشوكة والبعد عن الغوث وأن يكونوا مسلمين مكلفين فالكفار ليس لهم حكم قطاع الطريق .
قال ابن تيمية (الفتاوى 28/302) : قطاع الطريق الذين يعترضون الناس بالسلاح في الطرقات ونحوها ليغصبوهم المال مجاهرة . قال الله تعال: ) إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ( ] المائدة:33[
وقد روى الشافعي -رحمه الله-: في مسنده عن ابن عباس y في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا ، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نفوا من الأرض .