فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 1664

وقد كانت هذه صورة الداعين المخاطبين بهذا القرآن أول مرة . الذين هاجروا من مكة , وأخرجوا من ديارهم , في سبيل العقيدة , وأوذوا في سبيل الله لا في أي غاية سواه , وقاتلوا وقتلوا . . ولكنها صورة أصحاب هذه العقيدة في صميمها . . في كل أرض وفي كل زمان . . صورتها وهي تنشأ في الجاهلية - أية جاهلية - في الأرض المعادية لها - أية أرض - وبين القوم المعادين - أي قوم - فتضيق بها الصدور , وتتأذى بها الأطماع والشهوات , وتتعرض للأذى والمطاردة , وأصحابها - في أول الأمر - قلة مستضعفة . . ثم تنمو النبتة الطيبة - كما لا بد أن تنمو - على الرغم من الأذى , وعلى الرغم من المطاردة , ثم تملك الصمود والمقاومة والدفاع عن نفسها . فيكون القتال , ويكون القتل . .

وعلى هذا الجهد الشاق المرير يكون تكفير السيئات , ويكون الجزاء ويكون الثواب .

هذا هو الطريق . .

طريق هذا المنهج الرباني , الذي قدر الله أن يكون تحققه في واقع الحياة بالجهد البشري , وعن طريق هذا الجهد , وبالقدر الذي يبذله المؤمنون المجاهدون في سبيل الله . ابتغاء وجه الله .

وهذه هي طبيعة هذا المنهج , ومقوماته , وتكاليفه . .

ثم هذه هي طريقة المنهج في التربية , وطريقته في التوجيه , للانتقال من مرحلة التأثر الوجداني بالتفكر والتدبر في خلق الله ; إلى مرحلة العمل الإيجابي وفق هذا التأثر تحقيقا للمنهج الذي أراده الله .

وقال الطاهر بن عاشور (1) :

دلت الفاء على سرعة الإجابة بحصول المطلوب، ودلت على أن مناجاة العبد ربه بقلبه ضرب من ضروب الدعاء قابل للإجابة.

واستجاب بمعنى أجاب عند جمهور أئمة اللغة، فالسين والتاء للتأكيد، مثل: استوقد واستخلص. وعن القراء، وعلي بن عيسى الربعي: أن استجاب أخص من أجاب لأن استجاب يقال لمن قبل ما دعي إليه، وأجاب أعم، فيقال لمن أجاب بالقبول بالرد. وقال الراغب: الاستجابة هي التحري للجواب والتهيؤ له، لكن عبر به عن الإجابة لقلة انفكاكها منه. ويقال: استجاب له واستجابه، فعدي في الآية بالأم، كما قالوا: حمد له وشكر له، ويعدى بنفسه أيضا مثلها. قال كعب بن سعد الغنوي، يرثي قريبا له:

وداع دعا يا من يجيب إلى الندا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب

وتعبيرهم في دعائهم بوصف {ربنا} دون أسم الجلالة لما في وصف الربوبية من الدلالة على الشفقة بالمربوب، ومحبة الخير له، ومن الاعتراف بأنهم عبيده ولتتأتى الإضافة المفيدة التنشريف والقرب، ولرد حسن دعائهم بمثله بقولهم ربنا، ربنا.

ومعنى نفي إضاعة عملهم نفي إلغاء الجزاء عنه: جعله كالضائع غير الحاصل في يد صاحبه.

فنفي إضاعة العمل بالاعتداد بعلمهم وحسبانه لهم، فقد تضمنت الاستجابة تحقيق عدم إضاعة العمل تطمينا لقلوبهم من وجل عدم القبول، وفي هذا دليل على أنهم أرادوا في قولهم: {وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} تحقيق قبول أعمالهم والاستعاذة من الحبط.

وقوله: {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} بيان لعامل ووجه الحاجة إلى هذا البيان هنا أن الأعمال التي أتوا بها أكبرها الإيمان، ثم الهجرة، ثم الجهاد، ولما كان الجهاد أكثر تكررا خيف أن يتوهم أن النساء لاحظ لهن في ذلك فهن في الإيمان والهجرة يساوين الرجال، وهن لهن حظهن في ثواب الجهاد لأنهن يقمن على المرضى ويداوين الكلمى، ويسقين الجيش، وذلك عمل عظيم به استبقاء نفوس المسلمين، فهو لا يقصر عن القتال الذي بع إتلاف نفوس عو المؤمنين.

وقوله: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} من فيه اتصالية أي بعض المستجاب لهم متصل ببعض، وهي كلمة تقولها العرب بمعنى أن شأنهم واحد وأمرهم سواء. قال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ} [التوبة: 67] الخ... وقولهم: هو مني وأنا منه، وفي عكسه يقولون كما قال النابغة:

فإني لست منك ولست مني

وقد حملها جمهور المفسرين على معنى أن نساءكم ورجالكم يجمعهم أصل واحد، وعلى هذا فموقع هذه الجملة موقع التعليل للتعميم في قوله: {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} أي لأن شأنكم واحد. وكل قائم بما لو لم يقم بع لضاعت مصلحة الآخر، فلا جزم أن كانوا سواء في تحقيق وعد الله إياهم، وإن اختلفت أعمالهم وهذا كقوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} [النساء: 32] .

والأظهر عندي أن ليس هذا تعليلا لمضمون قوله: {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} بل هو بيان للتساوي في الأخبار المتعلقة بضمائر المخاطبين أي أنتم في عنايتي بأعمالكم سواء، وهو قضاء لحق ما لهم من الأعمال الصالحة المتساوين فيها، ليكون تمهيدا لبساط تمييز المهاجرين بفضل الهجرة الآتي في قوله: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا} ، الآيات.

وقوله: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا} تفريع عن قوله: {لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ} وهو من ذكر الخاص بعد العام للاهتمام بذلك الخاص، واشتمل على بيان ما تفضلوا فيه العمل، وهو الهجرة التي فاز بها المهاجرون.

(1) - التحرير والتنوير - (ج 3 / ص 313)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت