فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 1664

والمهاجرة: هي ترك الموطن بقصد استيطان غيره، والمفاعلة فيها للتقوية كأنه هجر قومه وهجروه لأنهم لم يحصروا على بقائه، وهذا أصل المهاجرة أن تكون لمنافرة ونحوها، وهي تصديق بهجرة الذين هاجروا إلى بلاد الحبشة وبهجرة الذين هاجروا إلى المدينة.

وعطف قوله: {وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} على {هاجروا} لتحقيق معنى المفاعلة في هاجر أي هاجروا مهاجرة لزهم إليها قومهم، سواء كان الإخراج بصريح القول أن بالإلجاء، من جهة سوء المعاملة، ولقد هاجر المسلمون الهجرة الأولى إلى الحبشة لما لاقوه من سوء معاملة المشركين، ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرته إلى المدينة والتحق به المسلمون كلهم، لما لاقوه من أذى المشركين. ولا يوجد ما يدل على أن المشركين أخرجوا المسلمين، وكيف واختفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خروجه إلى المدينة يدل على حرص المشركين على صده عن الخروج، ويدل لذلك أيضا قول كعب:

في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا

أي قال قائل من المسلمين اخرجوا من مكة، وعليه فكل ما ورد مما فيه أنهم أخرجوا من ديارهم بغير حق فتأويله أنه الإلجاء إلى الخروج، ومنه قول ورقة ابن نوفل يا ليتني أكونة معك إذ يخرجك قومك، وقول النبي صلى الله عليه وسلم له"أو مخرجي هم?"فقال: ما جاء نبي بمثل ما جئت به إلا عودي. وقوله: {وََأُوذُوا فِي سَبِيلِي} أي أصابهم الأذى وهو مكروه قليل من قول أو فعل وفهم منه أن من أصابهم الضر أولى بالثواب وأوفى. وهذه حالة تصديق بالذين أوذوا قبل الهجرة وبعدها.

وقوله: {وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا} جمع بينهما الإشارة إلى أن للقسمين ثوابا. وقرأ الجمهور: وقاتلوا وقتلوا وقرأ حمزة. والكسائي، وخلف: وقتلوا وقاتلوا عكس قراءة الجمهور ومآل القراءتين واحد، وهذه حالة تصديق على المهجرين والأنصار من الذين جاهدوا فاستشهدوا أو بقوا. وقوله: {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} الخ مؤكد بلام القسم. وتكفير السيئات تقدم السيئات تقدم آنفا.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (1) :

(1) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 4 / ص 96) والفتاوى الكبرى - (ج 1 / ص 42)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت