فهرس الكتاب
5 -هذه فرصة كبيرة يجب أن يوظفها ذوو الرأي لتحريك الأمة كلها لمواجهة أعدائها المتكالبين عليها من كل مكان وترك الاستهانة بأي قوة في هذه الأمة لفرد أو جماعة وبأي جهد من أي مسلم ، ونبذ فكرة حصر الاهتمام بالدين على فئة معينة يسمون بـ"الملتزمين"فالأمة كلها مطالبة بنصرة الدين والدفاع عن المقدسات والأرض والعرض والمصالح العامة ، وكل مسلم لا يخلو من خير ، والإيمان شُعَب منها الظاهر ومنها الباطن ، ورب ذي مظهر إيماني وقلبه خاوٍِ أو غافل ، ورب ذي مظهر لا يدل على ما في قلبه من خير وما في عقله من حكمة ورشد ، وهذا لا يعني إهمال تربية الأمة على استكمال شُعَب الدين ظاهرًا وباطنًا ، بل المراد إن إجادة تحريك الأمة وتجييش طاقاتها لنصرة الدين وتحريك الإيمان في قلوب المسلمين هو من أسباب النصر والقوة ومن دواعي تزكية الصالح و توبة العاصي ويقظة الغافل ، وهذا جيش النبي صلى الله عليه وسلم خير الجيوش لم يكن كله من السابقين الأولين بل كان فيه الأعراب الذين أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم ، وفيه مَن خَلَط عملًا صالحًا وآخر سيئًا ، وفيه المُرجَون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ، وفيه من قاتل حمية عن أحساب قومه ، فضلًا عن المنافقين المعلومين وغير المعلومين ، وإنما العبرة بالمنهج والراية والنفوذ التي لم تكن إلا بيد النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم بيد أهل السابقة والثقة والاستقامة من بعده .
ولو لم نبدأ إلا بتحريك الإيمان والغيرة في قلوب مرتادي المساجد ، وكذلك الجيران والأقرباء والعشيرة وزملاء المهنة وإن تلبسوا بشيء من المعاصي الظاهرة،لكان لذلك أعظم الآثار،وأينع الثمار بإذن الله .
والمراد أن يعلم أن حالة المواجهة الشاملة بين الأمة وأعدائها تقتضي اعتبار مصلحة الدين والمصالح العامة قبل كل شيء ، فالمجاهد الفاسق - بأي نوع من أنواع الجهاد والنصرة - خير من الصالح القاعد في هذه الحالة مع التأكيد على أن المواجهة مع الأعداء متعددة الميادين طويلة المدى،كما قال تعالى: { فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } (هود:من الآية49) ، وقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (آل عمران:200) .
6 -تتيح هذه الأحداث الفرصة الجيدة للعلماء والمثقفين وذوي الرأي لتوعية الأمة بمفهوم نصرة الدين وتولي المؤمنين ، التي هي فرض عين على كل مسلم ، وأن ذلك يشمل ما لا يدخل تحت الحصر من الوسائل ، ولا يقتصر على القتال وحده ، فالجهاد بالمال نصرة ، وكذلك الإعلام وبالرأي والمشورة وبنشر العلم ، وبالعمل الخيري ، وبنشر حقائق الإيمان ولاسيما عقيدة الولاء والبراء ، وبالقنوت والدعاء ، وبالسعي الجاد لجعل المجتمعات الأقرب إلى التمسك والمحافظة قلاعًا ونماذج يمكن أن يفيء إليها بقية الناس ، وبجعل منارات العلم والشرع مرجعيات للاستشارة والفتوى ، وتفويت الفرصة على العلمانيين والشهوانيين في تشويه صورة الإسلام ودعاته وتاريخه والإستحواذ على مراكز التوجيه وكذلك القيام بإظهار مخاطر العدو على الجميع مع التوازن في الطرح بما لا يؤدي إلى مواجهة غير محسوبة النتائج أو فقدان المكتسبات الدعوية القائمة .
7 -الفرصة الآن متاحة بشكل جيد لتحويل وحدة الرأي والتعاطف إلى توحّد عملي ومنهجي لكل العاملين للإسلام في كل مكان ، يقوم على الثوابت والقطعيات في الاعتقاد والعمل ، ويدرس الفروع والاجتهادات بأسلوب الحوار البناء ، فاجتماع كلمة الأمة أصل عظيم لا يجوز التفريط فيه بسبب تنوع الاجتهاد واختلاف الوسائل ، وما يجمع المسلمين أكثر وأقوى مما يفرقهم ، والشرط الوحيد لهذا هو أن يكون المصدر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرته ، وما كان عليه الأئمة المتبوعون في عصور عز الإسلام فمن أعظم أسباب ما أصابنا من بلاء التفرق والاختلاف فالعمل على توحيد جهود العاملين للإسلام للأخذ بأسباب النهضة والقوة في التمكين للأمة، وتحقيق ما به تفويت الفرصة على الأعداء،و الوقوف في وجه الطروحات التي تؤدي للفرقة وضعف الأمة من الواجبات الشرعية ، كما قال تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } (المائدة: من الآية2) ، وقال سبحانه: { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } (الأنفال:46) .