فهرس الكتاب

الصفحة 1305 من 1664

وقد اتفقنا أن الأساليب الأساسية للحركة الإسلامية هي: التبليغ بالكلمة واستخدام القوة وإقامة السلطة... أما الهجرة والعزلة فهي تصرف اضطراري يتحتم عند اليأس من الاستجابة، والفرق بينهما: أن الهجرة تصرف اضطراري جماعي، والعزلة تصرف اضطراري فردي... ولا تخرج أساليب العمل عن هذا الإطار العام.

أما العلاقة بين هذه الأساليب... فيثبت فيها أن استفاضة البلاغ وإقامة الحجة والدعوة بالكلمة هي الخط الأصلي للحركة، وأن خط القوة هو في الابتداء لإنشاء فرصة الدعوة بالكلمة عندما تمنع الجاهلية هذه الفرصة... وفي الانتهاء لإقامة السلطة وإنشاء الدولة.

أما موقع الممارسة السياسية من هذا الإطار فهو:

أن الممارسة السياسية تحقق ضبط العلاقة بين أساليب الحركة ذاتها من ناحية وأساليب الحركة بالنسبة للواقع من ناحية أخرى.

فهي التي تفرض أسلوب التبليغ بالكلمة بعد تحليل الواقع وموضع الدعوة.

وهي التي تفرض أسلوب القوة عندما تُمنع الدعوة من فرصة الاتصال بالناس.

وهي التي تحلل آثار القوة في الواقع وتؤكد تلك الآثار لتحقيق غاية الحركة الأصلية، وهي إقامة دولة الدعوة والهداية.

إذًا فالممارسة السياسية ليست أسلوبا قائما بذاته... ولكنها الضابط لكل أساليب الحركة... بحيث يتحقق الهدف الأساسي للدعوة من خلال أي أسلوب.

فهناك مثلا أسلوب الدعوة وأسلوب القوة.

وهناك السياسة الضابطة للعلاقة بين هذين الأسلوبين التي تضمن بها الدعوة الاتجاه بالأسلوب المناسب نحو تحقيق الهدف النهائي.

فقد تفرض الممارسة السياسية إيقاف أسلوب استخدام القوة وقد تحتمه، وفي كلا الافتراضين يكون تحقيق الهدف هو الأمر القائم المطلوب.

هذه هي قيمة الممارسة السياسية على مستوى أساليب الحركة.

أما قيمة الممارسة السياسية على مستوى الكيانات المتعددة في الواقع الواحد... فإنها قيمة ضخمة وهي إدخال الكيانات المتعددة للدعوة ضمن إطار الحركة الواحدة... دون علاقة حركية مباشرة بين هذه الكيانات باعتبار صعوبة تلك العلاقة منهجيا وحركيا، بل إن فرض التصور السياسي الصحيح للحركة هو الذي سيعطي لكل كيان بمنهجه الذي يتبناه مساحته الصحيحة في الواقع الحركي، ويصبح ضبط هذه المساحة وتلك العلاقة بالزيادة أو التحجيم مرتبط بهذا التصور وتلك الممارسة.

أو بمعنى آخر طرح التصور السياسي للحركة الإسلامية الذي يرى فيه كل كيان منهجيته التي يتصورها وحركته التي يمارسها، بحيث ينشأ الموقف الواحد لجميع كيانات الحركة بصورة سياسية صحيحة.

وكذلك فإن تحديد التصور السياسي للحركة الإسلامية سيسد ثغرات خطيرة في منهج الدعوة... وأخطرها: ثغرة الخروج عن الأحكام الشرعية في ممارسة الدعوة بادعاء"مصلحة الدعوة"حيث يسد التصور السياسي للدعوة بصبغته السلفية هذه الثغرة على أصحاب هذا الادعاء.

وأخطرها أيضا الارتداد عن خط المواجهة بالقوة بادعاء العمل السياسي وتحديد التصور السياسي بأبعاده المتعددة - بما فيه بُعد الممارسة بالقوة - يسد أيضا هذه الثغرة على أصحاب هذا الادعاء.

وبذلك لا تصبح السياسة لافتة فوق أي موقف باطل أو مرحلة ضعف... بحيث يصبح التصور السياسي للحركة الإسلامية ضابط لكل العبارات7 والمصطلحات التي تشكل خطرا كبيرا على الدعوة إذا أصبحت عنوانا للأهواء والتراجع والخلل.

فلا تصبح عبارات عائمة... بل تتحدد وتستقر وتنضبط.

أولًا

النظرية السياسية الإسلامية

والآن... ما هي النظرية السياسية للحركة الإسلامية؟

إن الأسلوب الأفضل في طرح النظرية هو البدء بتعريف"السياسة"الإسلامية، وبتحليل عناصر التعريف يتم طرح النظرية... فما هي السياسة الإسلامية؟

السياسة: هي حكمة (الجماعة) المنشئة (لدولة) الدعوة العالمية (الخلافة) المقيمة (لحضارة) الحق.

حكمة الجماعة:

اتفقنا أن الحكمة: هي حاسة الصواب الكامنة في كيان الداعية محددة له في واقع الدعوة سبيل الوصول إلى الغاية8.

وهذا هو المفهوم الفردي للحكمة.

فإذا تحدد المفهوم الجماعي للحكمة... كان هذا المفهوم هو السياسة... فإذا قلنا: إن الحكمة هي سياسة الفرد كانت السياسة هي حكمة الجماعة، وعلى هذا... فإن النظرية السياسية الإسلامية تتحدد أساسا بعناصر الحكمة الأربعة:"الواقع، الحق، الإنسان، الغاية".

وارتباط هذه العناصر بالمستوى الجماعي للدعوة حيث يتحدد الإطار العام للنظرية السياسية للحركة.

بحيث يكون غياب أي عنصر من عناصر الحكمة الأربعة سببا في عدم تحديد هذا الإطار.

أ) تحليل الحركة السياسية (الواقع) :

ومن هنا كان ابتعاد العلماء عن الحياة العامة جعلهم بعيدين عن السياسة نظريا وعمليا، وقد سجل هذه الظاهرة المؤرخ ابن خلدون... فذكر أن العلماء أبعد عن السياسة ومذاهبها؛ والسبب في ذلك أنهم معتادون النظر الفكري والخوض في المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذهن أمورا كلية ويطبقون من بعد ذلك الكلي على الخارجيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت