فهرس الكتاب
ويقصد ابن خلدون أن كثيرا من العلماء - لعيشهم مع الكتب - ينظرون إلى الأمور من خلال الكتب، مع أن الواقع الخارجي (الدول وأحوال الناس الاجتماعية والخارجية والاقتصادية) يكون مغايرا أو محتاجا إلى تدقيق في التفاصيل.
أما وضع الشيء الذي في الخارج في قالب الكتب فهذا يؤدي إلى الخطأ بالتأكيد، فالذي لا يعرف الواقع يظن - مثلا - أن الحكام المعاصرين مثل بعض حكام الدولة الأموية والدولة العباسية... مع أن الفارق كبير، فالسياسة - كما يقول ابن خلدون - تحتاج إلى مراعاة إلى ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال فإنها خفية.
هذا إذا كانت السياسة بمعنى معرفة الواقع تماما ومحاولة للنهوض بالمسلمين من خلال هذه المعرفة إلى الدرجة التي يريدها الإسلام، أما إذا كان المقصود بالسياسة المراوغة والاحتيال وإتقان فن المداهنة والنفاق فلا (9"."
والإطار الواقعي للنظرية السياسية يتحقق مقتضاه في الممارسة من جانبين: الواقع الذي نمارس فيه الدعوة، وواقع أصحاب الدعوة ذاتها.
فتتم الممارسة من خلال: التقييم السياسي للواقع وهو التصور الذي يختلف عن التحديد الفقهي المباشر في الحكم على هذا الواقع...
مثال ذلك: التفريق بين الروم والفرس باعتبار أن الروم ينتسبون إلى دين سماوي والفرس مجوس؛ مما جعل المسلمين يفرحون لنصر الروم رغم أن الحكم الشرعي في الدولتين هو الكفر.
ومثال ذلك أيضا: اختيار الرسول عليه الصلاة والسلام الحبشة لتكون موضعا للهجرة الأولى قائلًا:"اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكا لا يُظلم عنده أحد"10. رغم مساواته في الكفر مع غيره؛ لأن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فيه كان قبل إسلامه.
ومن هذين المثالين يتضح الفرق بين التصور الفقهي المجرد والتصور السياسي.
التصور الاجتماعي: وبهذه القاعدة يكون الاستفادة بطبيعة أي واقع، مثل الاستفادة بتقاليد الجوار... كما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في جوار أحد المشركين11، وكما أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتماع العرب قبل الإسلام على أن لا يظلم بينهم أحد، وهو المعروف بحلف الفضول الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لو دعيت إليه لأجبت"12.
الموقع الجغرافي:
ويدخل ضمن الاستفادة بالواقع والاستفادة بكل عناصر هذا الواقع حتى جغرافية الواقع... ولقد كان موقع غفار في طريق تجارة قريش مانعا لقريش من قتل أبي ذر... وهذا نص الحديث كما رواه أبو ذر الغفاري، يقول أبو ذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم. فجاء إلى المسجد وقريش فيه فقال: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فقالوا: قوموا لهذا الصبي. فقاموا، فضُربتُ لأموت فأدركني العباس فأكب عليَّ، ثم أقبل عليهم فقال: ويلكم... تقتلون رجلا من غفار ومتجركم وممركم على غفار؟! فأقلعوا عني، فلما أصبحت الغد رجعت فقلت ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا لهذا الصبي. فصُنع بي مثل ما صُنع بالأمس، وأدركني العباس فأكب عليَّ وقال مثل مقاله بالأمس13.
وكان موقع أبي ثمامة من أهل اليمامة وموقع اليمامة من أهل مكة مانعا لقريش من قتله، وتقول السيرة: فلما أسلم أبو ثمامة خرج إلى مكة معتمرا، حتى إذا كان ببطن مكة قال: فكأني أول من دخل مكة. أخذته قريش وقالوا: لقد اختبأت علينا. وأرادوا قتله، فقال قائل منهم: دعوه؛ فإنكم محتاجون إلى الطعام من اليمامة. فتركوه، فقال لهم: والله لا أرجع إلى دينكم ولا أرفق بكم فأترك الميرة تأتيكم من اليمامة ولن تأخذوا حبة قمح حتى يأذن لكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم 14.
التصور التاريخي:
وأهم مقتضيات التصور السياسي للواقع هو الاستفادة من تجاربه، فتنطلق الممارسة السياسية من مجموع التجارب السابقة على المستوى التاريخي للأمة.
ولقد احتج مؤمن آل فرعون على فرعون احتجاجًا تاريخيًّا صحيحًا عندما قال له:"وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ"15.
وباعتبار أن السياسة وظيفة جماعية... فإن إدراك الواقع يجب أن يكون هو الآخر وظيفة جماعية.
وهذا يعني أن تجتمع كل إمكانيات الحركة الإسلامية بكل اتجاهاتها في مهمة إدراك الواقع.
ويصبح نظام جمع المعلومات ومتابعة الواقع الجاهلي بكل الوسائل والأساليب لصالح الحركة الإسلامية أهم واجبات الممارسة السياسية للحركة بكل كياناتها.
هذا من حيث الواقع الجاهلي الذي ستمارس فيه الدعوة... أما واقع الدعوة ذاتها فهو الذي يبدأ بتاريخها.
وتحقيق ذلك يحتم مناقشة قضية التراث باعتبارها سجل التجربة الإسلامية.
التحليل السياسي للتراث: