فهرس الكتاب

الصفحة 1307 من 1664

وقضية نقل الخبرة وهي قواعد الاستفادة بالتجربة المسجلة في كتب التراث ومناقشة قضية التراث تكون بالمنطق السياسي ذاته... بمعنى أن التعامل مع كتب التراث لا يكون تعاملا مع نصوص مجردة، بل يجب ربط النص التراثي بصاحبه وواقعه وهدفه، وبذلك يؤخذ التراث بمنطق الحكمة... حيث يتوفر في التعامل عناصر التعريف الأساسية لمعنى الحكمة...(النص وصاحب النص وواقع النص والهدف منه"."

وبذلك تتحقق مهمة إحياء التراث وتنبع من طبيعة وحقيقة التصور الصحيح لوظيفة ذلك الإحياء... أما الاقتصار على الوظيفة اللغوية أو حتى التاريخية فإنه يجعل الإحياء قاصرًا... أما الإحياء الكامل فهو الإحياء بالحكمة، أو الارتفاع بالإحياء إلى مستوى الوظيفة السياسية.

والتحليل اللفظي لنصوص التراث يسمح باكتشاف حقيقة المدركات الكامنة في الألفاظ.

والتحليل التاريخي يحدد الواقع من حيث الزمان والمكان

أما التحليل السياسي فهو ربط المدرك بالواقع... والإنسان هو الذي يقوم بذلك الربط فينطبق مفهوم الحكمة على مهمة التحليل.

ولذلك يقول حامد ربيع:"التحليل السياسي للتراث يلغي عنصر الزمان إذ يفرض على المحلل أن يسعى لإدراج التراث في إطار أكثر اتساعًا حيث يصير النص التقاءً بين ماضٍ وحاضر ومستقبل بحيث يكشف الحقائق الثابتة الدائمة وتمييزها عن الأخرى المؤقتة...".

ونحن إذ نركز على الإنسان المحلل فإنما يكون ذلك بسبب أن الإنسان نفسه هو الذي يربط بين النص وواقع صاحبه... وهو الذي قد يضطر إلى تجريد النص التراثي من تلك العوامل إذا كانت نتيجة التحليل هي الوصول إلى حقيقة مطلقة يجب الاستفادة بها مجردة من ظروفها التاريخية.

ومهمة ربط النص بظروفه لإدراكه بصورة صحيحة.

وتجريد النص من ظروفه لاستخلاص حقيقته المطلقة والثابتة16 هو ما يسمى بـ"الوعي السياسي".

إذن: الوعي السياسي هو مجموعة الحقائق المطلقة المأخوذة من التحليل السياسي للتراث التاريخي للأمة.

ومن هنا يجب ألا نتعامل مع النص التراثي كمجرد استجابة إلى نوع من أنواع الفضول، إنما من منطلق الحركية العلمية وهي أهم خصائص التنظيم السياسي. والحركة العلمية كخصيصة من خصائص التنظيم السياسي هي التعامل مع النص التراثي بمقتضى مفهوم الحكمة أو التصور السياسي.

وفي إطار تحليل الواقع التاريخي للدعوة تتحدد أخطر قضاياها تحديدًا سياسيًّا: وهي قواعد نقل الخبرة.

وأهم هذه القواعد:

تقييم الخبرة الإسلامية وعناصرها:

-الصواب الشرعي.

-بلوغ حد الاستطاعة المادي والتنظيمي لتحقيق الهدف.

-أثر التجربة المتحقق قدرًا.

-الارتفاع بمفهوم الأخوة فوق مستوى الصواب أو الخطأ.

-ربط التجربة بالواقع.

فعند تقييم أي عمل إسلامي في واقع الدعوة نسأل أولًا عن الحكم الشرعي في هذا العمل، فإن كان صوابًا شرعيًّ نسأل: هل بلغ أصحاب هذا العمل حد الاستطاعة المادي والتنظيمي قبل القيام به؟ فإن لم يبلغوا فيكون الحكم عليهم بالتقصير من هذه الناحية، وإن كانوا قد بلغوا فلا بأس عليهم، فإذا توافر الدليل الشرعي بالصواب من حيث الحكم وتوافر حد الاستطاعة المادي والتنظيمي من حيث العمل، ثم كان الخطأ في الممارسة... فإننا نواجه هذا الخطأ بعدة واجبات:

الأول: معالجة هذا الخطأ وأثره في الواقع.

الثاني: قد يحدث خطأ باعتبار الخطة وبالقياس إلى الهدف المحدد، ولكن قد يكون لهذا الخطأ بالاعتبار القدري جانب إيجابي بالقياس إلى الواقع، فعندئذ يجب التنبيه لهذا الخطأ والاستفادة منه في واقع الممارسة.

الثالث: ربط آثار التجربة بكل جوانبها الإيجابية المحددة تخطيطًا أو المحققة قدرًا أو السلبية الناشئة عن الممارسة... بواقع الدعوة وتقييم الوضع النهائي للتجربة.

الرابع: الارتفاع بمفهوم الأخوة فوق اعتبار الخطأ والصواب... بعد الاطمئنان إلى الاجتهاد، وفوق اعتبار النتائج؛ لأنها بقدر الله وحده.

ب) بناء النظرية السياسية (الحق) :

سبق القول بأن السياسة هي المفهوم الجماعي للحكمة... وعلى أساس هذه الحقيقة يكون بناء النظرية السياسية هو الارتفاع بجوانب الحكمة إلى المستوى الجماعي، وذلك بمقتضى الحق.

ويصور الإمام ابن القيم جانب الحق في بناء النظرية، فيقول (بتصرف) : السياسة ما كان فعلًا معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يصنعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي، ومن قال: لا سياسية إلا بما نطق به الشرع؛ فقد غلَّط الصحابة؛ فقد جرى من الخلفاء الراشدين ما لا يجحده عالم بالسنن... وكفى تحريق علي الزنادقة17، وتحريق عثمان المصاحف، ونفيُ عمر نصر بن حجاج.

ويقول ابن القيم: وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك ومعترك صعب فرَّط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرَّأوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوا مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا أنه مطابق للواقع ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت