فهرس الكتاب
وهذا الموقف يتضمن قاعدة سياسية هامة وهي توجيه أعداء الدعوة إلي اتخاذ الموقف المناسب للدعوة بمنطق المصلحة لهؤلاء الأعداء وهذا الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبدة الأوثان الذين اجتمعوا لقتاله. وهو ما فعله مع قريش ذاتها عندما بلغه أنهم خرجوا إليه بالعوذ المطافيل75 لقتاله فقال: ويح قريش لقد أكلتها الحرب خلوا بيني وبين القبائل فإن كان الأمر لي عليهم كان شرفا لهم وإن كان الأمر لهم علي كان ما يرجون76. نفس منطق المصلحة يتحدث به الرسول إلي أعدائه ليوجههم إلي الموقف المناسب للدعوة...
ب) أبعاد الممارسة السياسية (الحدود النهائية) :
1)البعد الجماهيري للتصور السياسي"العامة":
والعامة هي العنصر الأساسي من عناصر الأمة حيث أن الأمة هي: الحكم، والملأ، والعامة وهذا العنصر هو المحقق لمعني الأمة المرتبط بخصائصها القدرية.
وهذه الخصائص هي:
-العصمة: حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تجتمع أمتي علي ضلالة"77 وقال:"لا يجمع الله هذه الأمة إلا علي هدي"78.
-الرحمة: حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:"هذه الأمة مرحومة"79.
-النصر: حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:"هذه الأمة منصورة"80. وقال"لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر هذا الدين لا يضرهم من خالفهم"81.
وهذه الخصائص مرهونة بالأمة بمعني السواد الأعظم باعتبارها العنصر الأساسي للأمة وكذلك الضمان الأخير لتحقيق معني الجماعة؛ ولذلك جاء معني الجماعة في مجموع النصوص الواردة بأربعة معايير؛ وكان منها معيار العامة 82.
ومما يجب إدخاله في الاعتبار وجوبًا شرعيًا جوهريًا هو أن العامة في دار الإسلام هي المقصودة - أساسًا - بهذا المصطلح. أما العامة في دار الكفر فلا تنطبق إلا علي من كره ما عليه المجتمع من الكفر وهذه هي البراءة المذكورة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن كره فقد برء إلا من رضي وتابع...
فلا يمكن أن نتصور أن مجموع الراضين عن الكفر والتابعين لأهله الملتصقين بهم في كفرهم أو مجموع الهمج الرعاع أتباع كل ناعق هم المحققون لمصطلح السواد الأعظم.
قيمة التوجه للعامة:
والحقيقة أن التعامل مع العامة ترجع أهميته إلي ارتباطه المباشر بغاية الدعوة وهي الهداية.
وذلك أن غاية الدعوة هي أن يؤمن الناس. وعندما يتمكن أصحاب الدعوة من التعامل المباشر مع الناس.
فإن هذا الأمر تكون له أهمية ضخمة قد تقترب من أهمية محاولة إقامة السلطة الإسلامية؛ لأن هدف هداية الناس هو أهم أسباب قيام هذه السلطة.
كما نعلم أن إسقاط الحكم الجاهلي هو إزاحة لأهم وصول الحق إلي الناس، وعندما تنشأ ظروف الدعوة التي تتاح فيها إمكانية وصول الحق إلي الناس...
تكون قد تحققت نتيجة أصلية هي نفسها أهم نتائج إسقاط الحكم الجاهلي وإقامة الحكم الإسلامي.
ومن هنا كان من أهم معاني الفتح 83 معاهدة الحديبية؛ لأن هذه المعاهدة هي التي أتاحت هذا الاتصال المباشر بين المسلمين والكفار، فحقق هذا الاتصال إيمان تسعة أعشار المسلمين الذين كانوا في فتح مكة ومن هنا كان لمعاهدة الحديبية معني الفتح؛ لأن لها حقيقته وسببه وغايته وهي أن يؤمن الناس...
وكما ترجع قيمة فرصة الاتصال بالناس إلي نتيجتها ترجع إالي سببها.
إن الجاهلية لا تتيح هذه الفرصة... بغير حساب.
إنها تتيحها تسليما بأقل الأخطار عليها.
إن الجاهلية توازن كما وازنت قريش فوافقت علي المعاهدة، وأعطت الجاهلية فرصة الدعوة عندما أيقنت أن الدعوة أمر واقع لا يمكن مواجهته. وعندما أيقنت أن استنفاد طاقة الدعاة في الدعوة بالكلمة هو البديل الحتمي لممارسة القوة.
فالفرصة لها ثمن، والفرصة ليست رخيصة، والفرصة ليست عارضة...
إنها محسوبة وبدقة من جانب الطرف الجاهلي الذي سلم بحركة الدعاة المتجهة إلي الناس.
وباعتبار أن عنصر الكثرة هي أهم عناصر العوام؛ فإن تحقيق الإضلال لهم أصبح أكبر أهداف الشيطان؛ لأن الشيطان يسعي أن يموت أكثر الناس علي الكفر.
ومن هنا فإن التعامل المباشر مع الناس هو الذي يقطع علي الشيطان هدفه في الإضلال العام.
وقد تكون مهمة إسقاط الحكم الجاهلي بالصفة الانقلابية أخطر وأشد؛ ولكن دعوة الناس مباشرة تستوعب أكبر عدد ممكن من هؤلاء الناس.
وهذا هو الذي يعطي لأسلوب الاتصال المباشر بالناس أهمية وقيمة.
فليست الخطورة معني مرادفا للأهمية في منهج الحركة.
فقد يكون الأمر أقل خطورة وأكثر أهمية.
أو أقل أهمية وأكثر خطورة.
ضرورة التوجه... ذلك لأن التوجه هو الذي يحقق أكبر فرصة لاستخلاص الطاقات الصالحة للحركة... وهناك في واقع الناس معادن مغمورة يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم:"خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"84.
إن التوجه إلي الناس... لا يعني أن يؤمن كل الناس... فإذا كانت الاستجابة قليلة فإن هذهالقلة هي النتيجة الطبيعية؛ وإدراك هذه الحقيقة يعالج اليأس الذي قد يطرأ علي أصحاب الدعوة إذا بذلوا جهدًا ضخمًا مع الناس.
ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"الناس كإبل مائة... لا تكاد ترى فيه راحلة"85.