فهرس الكتاب

الصفحة 1322 من 1664

أن يشعر العامة أنهم أصحاب القضية والمبدأ"إني أخاف أن يبدل دينكم".

أن يشعر العامة أنهم حماة الواقع وأصحاب الإصلاح.

إن أهم عناصر العصبية هي إنشاء الخوف على النظام الحاكم غي نفوس الناس؛ ولذلك يعبر الناس عن الخوف قائلين:"أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك".

وحينئذٍ يكون طمأنة الناس هو واجب النظام"قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون".

ومن أهم عناصر العصبية أن يشعروا بأنهم محور النظام، ومن هنا كان الضمير يعود على الناس:"أرضكم - طريقتكم - دينكم...".

وبذلك يتبين أن إطار التعامل الجاهلي مع الجماهير يقوم على البساطة المرتكزة على سذاجة الجماهير في إضلالهم وتحقيق عصبيتهم للضلال عن الحق.

2)البعد العسكري للتصور السياسي:

سياسة القوة:

وهذا البعد من أخطر أبعاد التصور السياسي للحركة الإسلامية؛ وذلك لأن المستقر في الأذهان أن السياسة تقابل القوة، ولكن التصور السياسي يتضمن أن هذه السياسة توافق القوة أو توازيها في مهمة تحقيق الغاية النهائية للدعوة، ومن هذه الحقيقة ينطلق هذا البعد.

أما تحقيق ذلك في مجال الممارسة فإنه يقتضي عدة أمور:

تحليل القوة العسكرية إلى عناصرها الأساسية في التنفيذ والاستفادة بهذه العناصر بغرض التأثير في الواقع الجاهلي دون الاضطرار إلى الممارسة الفعلية للقوة.

وتفسير ذلك:

أن الجاهلية تعتبر الحركة الإسلامية قوة سياسية طالما أيقنت بقدرتها على الممارسة العسكرية.

والقوة العسكرية لها عناصر لا تقوم إلا بها، وإدراك الجاهلية لتوافر هذه العناصر لدى الحركة الإسلامية ينشئ تأثيرًا عند الجاهلية لا يقل شأنًا عن الممارسة الفعلية للقوة العسكرية.

وهذه العناصر هي:

الزعامة... والولاء المطلق لها.

والكثرة العددية القوية.

والمستوى المرتفع للكفاءة العملية.

والاستعداد التام للبذل والتضحية.

كذلك تحليل القوة العسكرية إلى عناصرها الأساسية في التأثير وتحقيق هذه العناصر بصورة مباشرة في الواقع... فتحقق آثار القوة العسكرية دون ممارستها وأهمها الرهبة وفرض الإرادة...

ولما كان تحقيق هذه العناصر في واقع الدعوة - سياسيًّا - يعتبر أهم ضروريات التصور السياسي للقوة؛ لذلك كانت المعاهدات باعتبارها مجالًا للربط بين السياسة والقوة هي أيضًا المجال الفعلي لإبراز هذه العناصر في الواقع... مثلما كان في معاهدة الحديبية، حيث تحقق فيها مجمل العناصر المذكورة.

كما تقول كتب السيرة: خروج عروة بن مسعود زعيم ثقيف حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس بين يديه ثم قال:

يا محمد... أَجَمَعْتَ أوشاب الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفُضَّها بهم، إنها قريش قد خرجت معها المعوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا. قال: وأبو بكر الصديق خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد، فقال: امصص بظر اللات، أنحن ننكشف عنه؟! قال: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أبي قحافة. قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها. قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه، والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد، قال: فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن لا تصل إليك. فيقول عروة: ويحك! ما أفظك وأغلظك! قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له عروة: من هذا اي محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. قال: أي غدر، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس. فقاام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه... لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش... إني قد جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكًا في قوم قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء أبدًا فرُوا رأيكم91.

فنلك هي العناصر القاتلة للجاهلية... المسلمون مقاتلون في كل لحظة، ولا ينتظرون فقط إلا الإذن بالقتال، وهذا تفسير التسوية بين من قضى نحبه ومن ينتظر... بين من قاتل ومن ينتظر القتال، فلكليهما نفس الأثر في قلوب الأعداء... وبذلك يكون للسياسة أثر الدماء في تحقيق الهدف.

حماية الدعوة من الاصطباغ بالصبغة العسكرية البحتة.

ولا نعني بذلك نفي هذه الصبغة، ولكن نعني طغيان هذه الصبغة على الدعوة كحركة هداية ورحمة...

وبذلك يعني مفهوم سياسة القوة: الحفاظ على الهدف النهائي للدعوة من خلال خط الممارسة العسكرية، بحيث لا تنفصل هذه الممارسة عن هذا الهدف النهائي... وذلك باعتبار أن السياسة هي التي تتبنى تحقيق هذا الهدف من خلال أساليب الحركة المتعددة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت