فهرس الكتاب
-إن تقرير مبدأ القوة في التصور السياسي لا يعني أن توقفها تخلٍّ عن مبدأ من مبادئ الدعوة؛ لأن الممارسة والتوقف مرتبط بالهدف والواقع... والتصور السياسي هو الحكم المنهجي لتلك الممارسة.
-إن تحقيق التعاطف بتحقيق المنفعة والإقناع العقلي والقدوة الصالحة والصبر على الأذى والبذل والتضحية... هو الأساس في إقامة سلطان الحق على النفوس.
وكلها عوامل محققة لغاية الهداية، والقوة واحدة من هذه العوامل.
وبذلك يكون تحقيق هذه العوامل مع مجمل العناصر المذكورة الناشئة عن تحليل القوة العسكرية تنفيذًا أو تأثيرًا هي إطار التصور السياسي للقوة.
ولما كانت الهداية هي الهدف النهائي للدعوة... كانت كذلك هي القيمة العليا للمارسة السياسية، وكانت سياسة القوة هي تحقيق الهداية بالقتال.
ومقتضى ذلك يمثل أهم عناصر سياسة القوة:
-التبليغ قبل القتال.
-دعوة الأسرى.
-قبول استجارة المشرك.
-الجنوح للسلم إذا جنحوا له.
-قبول توبة من لم تصله يد القدرة:"إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم".
وفي إطار حماية الدعوة من الاصطباغ بالصبغة العسكرية البحتة تتحدد العلاقة بين أساليب الحركة المتعددة والهادفة إلى تحقيق الغاية النهائية للدعوة بأساس نفسي ثابت.
-الحرص على إسلام الكفار بدلًا من قتلهم وهم على الكفر.
-ترجيح الهداية على الغنائم.
-الحزن على كفر الناس والأسى على ضلالهم.
-التجرد من الشعور بالانتقام والقصاص.
إن الظهور العسكري البحت أو الغالب للدعوة هو الذي سيحرمها من التعاطف الذي يمثل الجذور الحقيقية لجحم كيانها في الواقع.
إن المعيار النهائي لبعد القوة هو حماية الدعوة من محاولة الجاهلية الهادفة إلى اقتلاع الدعوة من الواقع أو الاستهانة بها في التعامل.
أما وصول الدعوة إلى تعامل الجاهلية كطرف له اعتباره العظيم فإن هذا يقتضي فكرًا سياسيًّا تحافظ به الدعوة على هذه المرحلة.
3)البعد الاجتماعي للتصور السياسي:
اتفقنا في النظرية الساسية على أن التوافق بين الواقع الحركي والاجتماعي يعتبر شرطًا أساسيًّ في صحتها، وهذا التوافق - كشرط في صحة النظرية السياسية - هو الذي تحاول الجاهلية القضاء عليه من خلال إنشاء التناقض بين الجانب الحركي والجانب الاجتماعي للدعوة.
والتناقض الذي تحاول الجاهلية إنشاءه يتمثل بصورة أساسية في الإسقاط الاجتماعي للدعوة، هذا الإسقاط الذي يظهر الدعوة بصورة متردية ومنحطة لا توافق مع مستوى قضية الدعوة وواقعها الحركي.
ومحاولة الإسقاط الاجتماعي للدعوة أسهل من مواجهتها فكريًّا؛ ذلك لأن هذه المحاولة سيكون التعامل فيها مع الإنسان بضعفه ونقائصه في إطار الدعوة، الأمر الذي يختلف عن المواجهة الفكرية التي سيكون التعامل فيها مع النصوص الشرعية الثابتة.
وكما أنها أسهل فهي أخطر...
ذلك لأن الناس في البداية لا يتعاملون مع الدعوة كقضية فكرية قبل رؤيتهم لصورة الدعوة الاجتماعية... وعلى هذا فإن الإسقاط الاجتماعي يعني قطع الصلة وبصورة نهائية بين الناس والدعوة.
ومحاولة الإسقاط الاجتماعي للدعوة بدأت من الأيام الأولى.
وكانت هذه البداية هي وضع واقع الدعوة في ميزان التصور الاجتماعي الجاهلي.
فاعتبرت الجاهلية أن النبي صلى الله عليه وسلم أبتر؛ لأنه لا ولد له.
وكما اعتبرت النبي صلى الله عليه وسلم لا يستحق النبوة؛ لأنه ليس رجلًا من القريتين عظيم.
واعتبرت أن الدعوة ليست صحيحة؛ لأن أتباعها فقراء.
ولكن هذه البداية لم تنجح؛ لأن الدعوة فرضت تصورها الاجتماعي، وأسقطت التصور الاجتماعي الجاهلي ذاته.
ولعل أبرز مواقف المحاولة الجاهلية كان عند المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ ذلك لأن المؤاخاة كانت علاقة اجتماعية كاملة تحققت كمقتضى للتوافق بين الجانب الحركي والاجتماعي للدعوة، فبلغت الجاهلية أقصى ما عندها في مواجهة هذه المؤاخاة سواء من جانب المشركين أو المنافقين أو اليهود، ولكن المحاولات فشلت حتى تحقق الهدف من المؤاخاة ثم تقرر العودة بالعلاقة الاجتماعية إلى أساسها الطبيعي، وهو صلة الدم والقربى بعد أن كان الأساس الحركي هو أساس العلاقة في موقف المؤاخاة92.
وإذا التقطنا هذا الخيط فإننا يندرك أن واقع الدعوة - منذ البداية حتى الواقع القائم الآن- كان من ناحية الدعوة محاولة لتحقيق التوافق بين الجانب الحركي والاجتماعي بإنشاء الواقع الاجتماعي المتناسب مع القضية الإسلامية فكريًّا وحركيًّا.
وكان من ناحية الجاهلية هو إحداث التناقض بين هذين الجانبين بإسقاط الدعوة اجتماعيًّا، وبهذا الإدراك يمكننا تحليل الواقع القائم الآن للدعوة بقدر من التفصيل.
فمن ناحية الدعوة تمثل الخلل الاجتماعي - أول ما تمثل - في مجرد إعلان الولاء للتجمع واتجاهه من جانب الأفراد المنتمين إلى الدعوة لتحقيق الارتباط العضوي بالتجمع دون النظر إلى الجانب التربوي والأخلاقي لهؤلاء الأفراد.
وكانت هذه مرحلة وسط بين الوضع المثالي ووضع الانحطاط الكامل المتمثل في المرحلة الثالثة.
وهي مرحلة الانتساب إلى الاتجاه الإسلامي بمجرد الهدي الظاهر.
"الجلباب - اللحية - الحجاب"...