فهرس الكتاب

الصفحة 1324 من 1664

وكان مدخل هؤلاء المنتسبين هو مجرد هذا الالتزام الشكلي... دون أن يكون هناك الكيان المستقطب القائم على مهمة التربية والتأصيل الأخلاقي.

يضاف إلى هذا الخطر خطر آخر يساويه، وهو الشعور غير الشرعي بالذات الناشئ عن الاعتزاز بالانتساب للدعوة صاحبة الأحداث المؤثرة في الواقع.

هذا الاعتزاز الذي وجد من غير مشاركة فعلية في الأحداث ةتحمل مسؤليتها... والذي سبب ضررًا نفسيًّا بالغًا؛ لأنه انتساب يفتقد المسؤلية والتضحية والبذل.

هذا الشعور الذي أضاع الفضل الحقيقي لأصحابه في واقع الدعوة مما أحدث اضطرابًا في العلاقات الاجتماعية وأحدث هذا الاضطراب بدوره ظاهرة الفوضى الاجتماعية التي تعاني منها الدعوة معاناة شديدة.

فأصبح الجميع دعاة وذوي تاريخ.

الأمر الذي يتنافى مع قاعدة ارتباط الفضل الاجتماعي في واقع الدعوة بالسبق والتضحية والعمل في سبيل الله.

ثم يضاف إلى شكلية الالتزام... وضياع حق أصحاب الفضل في واقع الدعوة.

خط التشتت الاجتماعي المترتب على معاناة الاعتقالات والسجون والاحتياج المادي الذي يسبب الإرهاق النفسي الشديد.

ثم كان الخطر الأكبر من خلال عملية التزاوج تحت مظلة هذه الأخطار المتعددة... هذا التزاوج:

في واقع انحطاط الأخلاق وضياع الأمانة.

وفي واقع الانتساب الشكلي بالهدي الظاهر فقط.

وفي واقع الشعور بالغرور والشعور غير الشرعي بالذات وضياع حق أصحاب الفضل.

وفي واقع الاحتياج المادي والإرهاق النفسي الناشئ عن السجن والاعتقال.

واقع هذا التزاوج...

أوجد أسرة أصبحت هي بذاتها مشكلة، وأصبحت محاولة علاجها الشغل الأساسي لأصحاب الدعوة، كما أصبحت معالجة آثار إخفاقها بعد الإخفاق في معالجتها... عبئًا لا يطاق.

ثم يأتي بعد ذلك الدور الجاهلي القائم على استغلال هذه الأخطاء بأبشع صورممكنة...

أما من ناحية الجاهلية فقد جاء منها أخطر الأساليب في محاولة الإسقاط الاجتماعي للدعوة، وهي إنشاء العناصر المتشبهة بالمظهر الإسلامي وممارسة السلوك الجاهلي بهذا المظهر... وعندما يراهم الناس تسقط مهابة هذا المظهر من نفوسهم، ويضيع تقدير الناس لسماتهم وشكلهم، وسواء كان انتشار هذه العناصر أمرًا مقصودًا أو حدث بصورة تلقائية، فإن النتيجة واحدة.

فكيف تحمي الدعوة نفسها من هذه النتيجة؟

لقد كان الإسلام قادرًا على حماية نفسه من هذه النتيجة يوم كان حكمه غالبًا وأحكامه سائدة، وكان أهم هذه الأحكام هو منع غير المسلمين من التشبه بالمسلمين.

وكان من أخطر هذه الأساليب الجاهلية كذلك هي إيقاع الضرر على العامة وتفسير هذا الضرر على أنه نتيجة حتمية للدعوة؛ ليحدث الانفصال بين العامة والدعوة...

مثل المقاطعة الاجتماعية التي فرضتها قريش على بني عبد المطلب؛ حتى يمارسوا ضغطًا على أصحاب الدعوة.

ولعل حادثة مقاطعة بني عبد المطلب - المذكورة آنفًا - بإقاع أضرار عليهم بصفة عامة بسبب أصحاب الدعوة لإيجاد الكُرْه، وإنشاء الحاجز مثال تاريخي على هذا الأسلوب.

مفهوم الدفاع الاجتماعي:

والآن لا بد من الدفاع الاجتماعي عن الدعوة.

وهذا المفهوم له عناصر يمكن تحديده من خلال المواجهة... المحاولة التي تمارسها الجاهلية لإسقاط الدعوة اجتماعيًّا.

وقد اتفقنا أن أول تلك العناصر هو افتقاد الكيان الواحد المسيطر على الامتداد الاجتماعي، ولما كان وجود الكيان الواحد مرتبطًا بمشكلة الفكر والمنهج فإن المعالجة الاجتماعية يجب أن تنفصل عن هذه المشكلة... بمعنى ضرورة إنشاء سلطة اجتماعية تتولى مواجهة المشكلات الاجتماعية في إطار بعيد عن مشكلة الاختلاف الفكري.

وهذا ما فسره الإمام الجويني حيث قال في كتاب غياث الأمم في التياث الظلم: أن يتولى كل عالم في ناحية من النواحي أو حي من الأحياء السلطة المفقودة للأمراء في هذا الحي.

ثم تأتي مواجهة ضياع حق أصحاب الفضل بترسيخ قواعد التعامل الاجتماعي المحددة لهذا الحق:

-حق العلماء الذي يوجب تقديمهم وتوقيرهم وإيثارهم على أنفسنا.

-حق أصحاب السبق الزمني وهو المقرر في قول الله:"والسابقون الأولون من المهاجرين...".

ومفهوم الدفاع الاجتماعي يوجب تحديد أساس التعامل الاجتماعي بين أصحاب الدعوة والواقع القائم.

ويجب أن يتقرر ابتداءً أن الناس ينظرون إلى أصحاب الدعوة من خلال مفهوم المثالية؛ لأنهم يمثلون في نظرهم واقع التطبيق الصحيح للدين.

وظهور أي نقيصة أو خطأ سلوكي لن ينظر له على أنه أمر طبيعي محتمل، ولكن سينظر إلى صاحبه على أنه إنسان سيئ يحاول الوصول إلى مكانة لا يستحقها لينال تقديرًا بغير حق.

كما أن الناس ينظرون إلى أصحاب الدعوة على أنهم الفئة التي من الممكن أن تحكمهم في يوم ما فيرغبون بصورة قوية في الاطمئنان على أمانتهم وسماحتهم وحسن خلقهم؛ لأن أي خطأ يراه الناس يرتبط في أذهانهم بهذا الاحتمال.

فيقول كل من يرى الخطأ في نفسه: هكذا يفعل أصحاب الدعوة لعامة الناس عند حدوث أية مشكلة أو خصومة.

وعند حدوث أية مشكلة اجتماعية بين الناس وبين أحد أفراد الدعوة يجب أن تأخذ هذه المشكلة صورة العداء بين الجاهلية والإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت