فهرس الكتاب
وفي رواية: وأن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد.
فالتواضع يمنع الفخر الذي إذا امتنع امتنع معه البغي.
وبصفات أهل النار تكون نهاية المجتمع ونهاية الأمة... وتكون النار.
4)البعد الاقتصادي:
والبعد الاقتصادي للنظرية السياسية بُعدٌ منطقي؛ لأن المال له قوة نفسية واجتماعية بلغت حد الأثر في العقيدة والإيمان الذي أنشأ الخوف الشديد على أصحاب الدعوة من فتنة المال، كما قال تعالى:"ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفًا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابًا وسررًا عليها يتكئون * وزخرفًا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة غند ربك للمتقين".
ومن أجل هذا التأثير نستطيع أن نقول: إن أخطر أحداث الدعوة كا إنفاق عثمان بن عفان قافلته على المسلمين، وإن أخطر أحداثها من الجانب الآخر كا قرار مقاطعة قريش لبني عبد مناف الاقتصادية.
وليس أدل على أثر الاقتصاد السياسي من دعاء موسى بحسم الصراع بينه وبين فرعون في قوله سبحانه:"ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم".
وكذلك دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بحسم الصراع مع قريش بقوله:"اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف"96... رواه البخاري والترمذي، وفي رواية:"بسبع كسبع يوسف"رواه البخاري.
ولأجل هذا الأثر الاقتصادي على الدعوة كانت العلاقة بين الممارسة الاقتصادية والسياسية تلقائية في فهم الصحابة.
وهذا ثمامة يرجع إلى قومه مسلمًا يعلن لهم إسلامه ويعلن لهم مع إسلامه: يا قوم لقد أسلمت، ولن تأخذوا حبة قمح حتى يأذن لكم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم97.
وبهذا الفهم التلقائي أدركت إحدى النساء مغزى تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أععطى قبيلتها مالًا وزادًا، ثم أخذ يحارب القبائل الأخرى فقالت: والله ما أرى محمدًا قد ترككم بعد أن أعطاكم هذا المال والزاد ثم ذهب ليقاتل القبائل غيركم إلا لأجل شيء يريده منكم، وأرى أنه الإسلام... فأسلمت وأسلمت معها القبيلة98.
كما يتساوى البذل بالنفس والبذل بالمال في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من جهز غازيًا فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا"99، فتساوى التجهيز بالمال للغزو والخلف في الأهل بعد الغزو... مع الغزو نفسه عند الله سبحانه وتعالى.
والحقيقة أن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة هي نفسها العلاقة بين العمل العسكري والسياسة، وذلك في مضمون فرض الإرادة.
فكما أن التصور العسكري يفرض إرادة المنتصر، فإن الجزية هي التي تبقي على فرض تلك الإرادة.
من أجل ذلك كان اعتبار عنصر المال من أخطر عناصر الدعوة المحققة لأهدافها، ولكن هذا العنصر المهم في ذاته تعتبر نتيجته خطيرة في ذاتها؛ لأن المال هو فتنة هذه الأمة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"فتنة هذه الأمة في المال"100.
ولعل قصة ثعلبة101 الذي نزل فيه قول الله عز وجل:"ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم مغرضون"... دليل على شدة خطر المال على النفس، وحتى لا نظن أنها حالة فردية... كانت هذه المواجهة القرآنية الحاسمة للمؤمنين في غزوة أحد:"منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة".
وعند تعميق الإحساس بخطر المال في واقع الدعوة لن تجد أشد من هذا الموقف الذي نرى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى التاقتين اللتين أعدهما أبو بكر للهجرة وهو يقول له:"بالثمن يا أبا بكر".
إن الظروف أكبر وأقوى من أن يذكر فيه المال...
لأنهما اثنان مطلوب موتهما يُعدان أسباب نجاتهما.
ولكنها النبوة التي تضع الأسس وترسي القواعد"بالثمن يا أبا بكر".
كما لن نجد حقيقة تدل على خطر المال أقوى من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدَّين".
الشهيد... الشهيد... نعم... إلا الدَّين.
فإذا كان هذا مع الشهيد فليس لأحد من المسلمين خروج عن حساب المال.
ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل قبل أن يصلي على الجنازة:"هل عليه من دَين؟"فإن قالوا: نعم. قال: صلوا على صاحبكم، إلا أن يقول رجل: دَينه عليَّ.
ومن هنا أصبح النجاح في تحقيق أساس اقتصادي للدعوة هو دليلًا أصليًّا وجوهريًّا على صحة الإيمان، ولعل الدليل على ذلك المثل الذي ضربه القرآن في قوله عز وجل:"لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا زكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير".
وكما تدل النفقة قبل الفتح على قوة الإيمان فإنها تدل كذلك على دقة أثر المال في الدعوة، وذلك لاختلاف أثر النفقة قبل الفتح وبعده، حيث كان للنفقة قبل الفتح أثر أكبر.
من أجل ذلك فإن السياسة الاقتصادية للحركة الإسلامية تقوم ابتداء من مفهوم الزهد الحقيقي في الدنيا.