فهرس الكتاب
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرّفِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الشّخّيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيّ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ، ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ:"أَلاَ إِنّ رَبّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمّا عَلّمَنِي، يَوْمِي هَذَا. كُلّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا، حَلاَلٌ. وَإِنّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلّهُمْ. وَإِنّهُمْ أَتَتْهُمُ الشّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ. وَحَرّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ. وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا. وَإِنّ اللّهَ نَظَرَ إِلَىَ أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إلاّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ: إِنّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ. وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لاَ يَغْسِلُهُ الْمَاءُ. تَقْرَأُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ. وَإِنّ اللّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرّقَ قُرَيْشًا. فَقُلْتُ: رَبّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً. قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ. وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ. وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ. وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ. وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ. قَالَ: وَأَهْلُ الْجَنّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدّقٌ مُوَفّقٌ. وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلّ ذِي قُرْبَىَ، وَمُسْلِمٍ. وَعَفِيفٌ مُتَعَفّفٌ ذُو عِيَالٍ. قَالَ: وَأَهْلُ النّارِ خَمْسَةٌ: الضّعِيفُ الّذِي لاَ زَبْرَ لَهُ، الّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لاَ يَتْبَعُونَ أَهْلًا وَلاَ مَالًا. وَالْخَائِنُ الّذِي لاَ يَخْفَىَ لَهُ طَمَعٌ، وَإِنْ دَقّ إِلاّ خَانَهُ. وَرَجُلٌ لاَ يُصْبِحُ وَلاَ يُمْسِي إِلاّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ". وَذَكَرَ الْبُخْلَ وَالْكَذِبَ وَالشّنْظِيرُ الْفَحّاشُ، وَإِنّ اللهَ أَوْحَىَ إِلَيّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتّىَ لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ علىَ أَحَدٍ، وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ عَلَىَ أَحَدٍ)95.
والملاحظة العامة في هذا الحديث هو معالجته لعدة مراحل مرتبطة ببعضها:
1)نظرة شاملة لمرحلة ما قبل البعثة وبداية الأمر فيها وإثبات الأصل الذي كان عليه الوجود البشري..."كل مال نحلته عبدًا حلال"..."وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم".
"إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم". هذه مقدمة ضرورية للحديث... لأن الحديث يثبت أهمية النبي صلى الله عليه وسلم بصورة خطيرة...
صورة افتقار البشر جميعًا إلى رسالة... مما تقتضي إثبات افتقاره هو في رسالته إلى ربه.
والرسالة من الله أمر وعلم.
والأمر من الله"إن الله أمرني".
والعلم من الله"أن أعلمكم ما جهاتم".
والعلم يوم بيوم"ما علمني يومي هذا".
وهذه هي المقدمة:
"كل مال نحلته عبدًا حلال". والمال رمز لكل شيء آتاه الله إنسانًا."وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم".
فالأصل في عطاء الله الحِل. والإنسان على الفطرة.
ثم جاءت الشياطين"فاجتالتهم عن دينهم".
ونشأ الحرام"وحرمت عليهم ما أحللت لهم".
اجتالت الشياطين الدين.
وملأ الأرض بالحرام."وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا"."وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم". والمقت أشد الغضب."إلا بقايا من أهل الكتاب"المتمسكون بدينهم الحق من غير تبديل.
والنبي والبشر أمام مسئولية الرسالة سواء."إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك...".
وحتى لا يكون التبديل واجتيال الدين."أنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء".
باقيًا لا تجري فيه سنن الفناء.
وأسبابه...
ثابتًا تقرؤه نائمًا ويقظان.
وهذه هي البعثة.
ويقر النبي بضعفه وافتقاره إلى ربه."إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة".
هذا هو الاستضعاف.
فيرد القوي الغني:"استخرجهم كما استخرجوك . واغزهم نغزك".
وافتح عليهم بلادهم... نفتح عليك مددنا.
"وأنفق فسننفق عليك".
"وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله".
"وقاتل بمن أطاعك من عصاك". وذلك هو التمكين.
وبعد المقدمة... والبداية... والبعثة... والاستضعاف... والتمكين... قام المجتمع المسلم.
2)فكيف يكون حفظه بعد قيامه؟...
هذا بصفات أهل الجنة الثلاث:
-ذو سلطان مقسط متصدق موفق.
-ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم.
-وعفيف متعفف ذو عيال.
وهذه الصفات هي عناصر البناء الاجتماعي للدولة المسلمة.
وبهذه الصفات يكون المجتمع المسلم وتكون الأمة وتكون الجنة.
وبعدها صفات أهل النار الخمسة:
-الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعًا لا يتبعون أهلًا ولا مالًا.
-الحثالة الفارغين كمالة العدد.
-والخائن الذي لا يخفى (أي لا يظهر) له طمع وإن دق إلا خانه.
والخونة بطبعهم وتكوينهم وتصرفهم التلقائي.
-ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك.
المخادعون: عن العرض والمال.
والبخل والكذب الشنظير الفاحش.
والشنظير: سيئ الخلق.