فهرس الكتاب

الصفحة 1329 من 1664

وفي المقابل فإن التصور السياسي يقيم العهود والمواثييق بقاعدة التوكل عل الله بعد استفراغ الجهد في التفكير والتقييم والتحليل والتوقع.

ومن هنا قال سبحانه:"وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم".

وهذه هي القاعدة القدرية العامة في العهود ونصها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم)106."

ثالثًا: مراعاة السنن الثابتة:

مثل التفسير القدري للاختلاف كصيغة من صيغ العذاب الواقع علينا وتحقيق موجبات الرحمة التي يرفع بها هذا العذاب واعتبار هذه الموجبات أسبابًا مباشرة في معالجة الاختلاف.

وكذلك معالجة الفتن القائمة بين المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبار أن ترك هذا الأمر هو السبب في ضرب قلوبنا بقلوب بعض كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"والله لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليضربن الله قلوبكم بقلوب بعض)107."

غير أن موضوعية البعد القدري للتصور السياسي تتمثل بصورة نهائية في الوصول بالدعوة من مرحلة الاستضعاف وخشية الاختطاف إلر مرحلة التمكين والعالمية إذ أن تجاوز الدعوة لجميع مراحلها لا يمكن أن يتحقق إلا بصورة قدرية.

ولعل حادثة أصحاب الفيل التي حفظ الله بها البيت تهيئة لظروف الدعوة؛ ولعل الصراع بين الروم والفرس الذي أجهد الدولتين تحقيقًا لتلك التهيئة دليل علي هذا البعد.

كما قال سبحانه:"محمد رسول الله والذين معه أشداء علي الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوي علي سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا".

وفي إطار البعد القدري للتحليل السياسي:

يجب حسم مسألة العلو اليهودي.

لأن هذه المسألة تأتي خطورتها من الفهم الخاطي للآيات الواردة فيها حيث يتحدد هذا الخطأ في الاعتقاد الجازم بحتمية أبدية للعلو اليهودي. ويغذي هذا الفهم اليهود أنفسهم من خلال كتابات108 معينة يخرج قارئها بتصور يفسد العقيدة حيث يعتقد أن اليهود يفعلون ما يريدون وأنه ما من حركة أو سكنة لإلا وهي جزء من خطة يهودية شاملة.

هذا التصور شرك صريح...

الله وحده هو الفعال لما يريد.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وعقيدة التوحيد ترفض هذا الوهم والواقع شاهد عي ذلك.

وحادثة واحدة... تكفي... وهي نكسة 1967م التي كان ظاهرها لصالح اليهود وكان باطنها الرحمة حيث كانت نقطة التحول في تاريخ الحركة الإسلامية حيث بدأت من مصر بعد أن قويت الرغبة في الرجوع إلي الله لتبدأ مع تلك الرغبة الدعوة الإسلامية بمستواها الفردي فيبلغ خطرها كل أنحاء العالم ويصبح مواجهة هذا الخطر هو محور السياسة العالمية علي مستوي الشرق والغرب.

رابعًا

النظرية السياسية الجاهلية

أ) التفسير العام للنظرية

والواقع أن للجاهلية نظريات ومذاهب واتجاهات ومدارس ونظمًا سياسية مختلفة109، لكن ما نعنيه بالعنوان هو النظرية السياسية الجاهلية في تقابلها مع الإسلام؛ وهذا هو جوهر السياسة الجاهلية. وبهذا الاعتبار فإن هذا الاختلاف يصبح أمرًا شكليًا بالنسبة لهذا الجوهر وتعددًا سطحيًا بالنسبة لاتجاه الهدف الأساسي والنهائي للجاهلية وهو القضاء علي الإسلام. وللدلالة علي هذه الحقيقة نذكر مثالًا بأقصي تناقض شكلي في إطار النظريات السياسية الجاهلية يحقق أكبر توحد في حرب الإسلام وهذا المثال هو الديموقراطية والديكتاتورية حيث يمثل أكبر تقابل في إطار النظريات الجاهلية أكبر توحد في إطار النظرية الجاهلية الواحدة.

فكلا النظريتين يمنع وجود واقع صحيح للدعوة.

فالديمقراطية... هي أن يتكلم الجميع، والديكتاتورية هي أن لا يتكلم أحد. وهاتين النتيجتين المتقابلتين بالنسبة للدعوة يحققان نتيجة واحدة وهي أنه لن يسمع أحد لأحد حيث لا تقوم الدعوة إلا في واقع يجد فيه من يتكلم أحد يسمعه.

وأقرب تشبيه للقرف بين الديمقراطية والديكتاتورية هو فرق اللون بين الضباب والظلام؛ حيث يكون التقابل التام في اللون الأبيض والأسود بنتيجة واحدة - وهي انعدام الرؤية.

ففي الديمقراطية يتبدد الفكر الصحيح في واقع الإسقاف والثرثرة، وفي الديكتاتورية يتواري الفكر الصحيح في واقع القهر والكبت.

وفي الديقراطية يضيع الإنسان المفكر في ظواهر الفوضى الفكرية والإعلامية وفي الديكتاتورية يختفي الإنسان المفكر في غياهب السجون وفي كل من النظريتين... يغيب الإنسان المفكر... والفكر الصحيح. وجوهرية النظرية السياسية الجاهلية في مواجهة الإسلام لها غاية ثابتة وهي الصد عن سبيل الله.

والصد عن سبيل الله كغاية سياسية جاهلية له خطوط محددة:

منع ظهور الدين"قتل الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت