فهرس الكتاب
وعندئذ انفصلت جماهير بني إسرائيل عن دعوة موسى فلم يسمعوا لأخيه هارون وتوجهوا نحو العجل. واحتل السامري موقع الزعامة وكان مضمون تجربة السامري هو أن اقتراب الدعوة من تحقيق أهدافها لا يجعل الجاهلية تسلم بالأمر الواقع فتحاول احتواء هذه النتيجة بل والاستفادة من أساسها وإعادتها إلى فترة الضعف الأول...
ومن المثل القديم... إلى المثل الحديث... بنفس المضمون.
وهو موقف عبد الناصر والثورة من دعوة الإخوان حيث بلغت دعوة الإخوان مرحلة كانت فيها من السلطة قاب قوسين.
تجمعات جماهيرية مؤيدة ومتعاطفة مع الدعوة.
عناصر منبثة داخل الجيش والبوليس بأرفع مستويات القيادة.
وانتصارات عسكرية عظيمة على اليهود في فلسطين صنعت موقفًا تاريخيًّا يحقق أكبر رصيد من التقدير والإكبار في نفوس الناس.
وإذا التجربة تبدأ بحلقتها الأولى... تغيب القيادة بغياب الإمام حسن البنا.
ثم الحلقة الثانية... وهي تبني نفس الأهداف التي طرحتها دعوة الإخوان في خطتها الإصلاحية، فكانت أهداف الثورة هي - بالكلمة والحرف - مضمون رسالة المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين، فتحولت الجماهير - في أغرب صورة - عن دعوة الإخوان وتوجهت نحو الثورة.
وبمقارنة سريعة بين المثلين: تجربة السامري وعبد الناصر... يتوضح أن أخطر عناصر التوافق هو التدخل في مرحلة ما قبل تحقيق الهدف.
ولعل مضمون هذين المثلين التارخيين يحقق الإدراك التام لحجم المترتب على غيبة القيادة في واقع الدعوة.
أما الحد النهائي لهذا الخطر فهو أن تغيب القيادة برغبتها وإرادتها؛ والعلة الثابتة دائمًا في هذه الغيبة هو الزهد في السلطة الذي يفهم على أنه إخلاص وتجرد.
وهذا الفهم قد يكون صحيحًا إذا كان هذا الزهد لا يخرج بالسلطة عن إطار الدعوة واصحابها الحقيقيين، أما أن يزهد أصحاب الدعوة في السلطة لتكون في أيدي أعدائها فتلك هي الجريمة الكبرى.
وهذا عمر مكرم أكبر الشيوخ في مصر التي كانت في مرحلة الانقياد التام لزعامة العلماء يسلم قيادة البلاد لمحمد علي في أغرب تصرف تاريخي بدأت به أكبر مرحلة تواجد علماني في مصر.
وغاية السياسة الجاهلية الثابتة هي: الصد عن سبيل الله، وتتحقق بمضمون ثابت.
ومضمون النظرية السياسية الجاهلية هو الطاغوتية، وهو المصطلح الذي يعني الشيطنة السياسية.
وأساسيات هذا المصطلح:
أ) هي السلطة بعناصرها الأصلية.
ب) والقتال:"الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا".
ج) الولاء:"الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".
وتندرج تحت هذه العناصر: أخطر الأفكار السياسية الجاهلية المحققة للسيطرة على الإنسان وعقله، والمنشئة في قلب الإنسان الجاهلي دافع القتال في سبيل الطاغوت.
والمحققة لولائه للجاهلية.
وبعد قواعد السياسة الجاهلية الأصلية نمتد إلى أخطر عناصرها.
عناصر الممارسة السياسية الجاهلية:
المكر السيئ:
والمكر هو التدبير الخفي، وقد وصفه الله بالسوء؛ لأن مجرد التدبير الخفي قد يكون للخير وهو ما جعله الله عز وجل يصف أفعاله بالمكر.
وخطر المكر السيئ يرجع إلى عدة حقائق:
-أننا على وجه الحقيقة لا نتحمل هذا المكر؛ لأن الله وحده هو القادر عليه، وهو سبحانه الذي يصده عنا، وهذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى:"وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم".
-وأننا لا نستطيع صد هذا المكر؛ لأن الفاعلية الخبيثة للمكر الجاهلي هو أنه يزيل الجبال، وهو المأخوذ من قوله تعالى:"وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال".
والموقف الصحيح في مواجهة المكر الجاهلي هو الصبر على هذا المكر عندما يكون له أثر في الواقع، وإمهال الكافرين رويدًا حتى ترى الفعل الإلهي ردًّا على هذا المكر؛ لأننا كطرف من الدعوة خارجين فعلًا من دائرة المكر بين الله وأعدائه، وهو المأخوذ من قوله سبحانه:"إنهم يكيدون كيدًا * وأكيد كيدًا * فمهل الكافرين أمهلهم رويدًا". ولذلك تكون أول صيغ الفعل الإلهي في رد المكر الجاهلي هو ارتداد أثره على مدبريه، وهو المأخوذ من قول الله:"ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله".
ذلك أننا غير قادرين على وجه الحقيقة على صد المكر الجاهلي؛ لأنه مكر دائم لا يتوقف لحظة، وهو المأخوذ من قوله سبحانه:"بل مكر الليل والنهار"... ولا يكون زمن إلا ليل أو نهار.
-والموقف الصحيح في مواجهة المكر الجاهلي أيضًا هو أن نقف بالدعوة الموقف الصحيح ونعطيها وجودها الشرعي الذي تستحق به الدفاع الرباني عنها وعن أصحابها.
ومما يجعلنا نؤكد على الالتزام الشرعي البحت والمطلق في مواجهة الجاهلية هو استحقاق الدفاع الإلهي عن الدعوة، حتى لو خالف ذلك مقتضى التفكير العقلي أو العملي، وهذه هي طبيعة التصور السياسي للحركة الإسلامية.
فلا غدر ولا خيانة؛ لأن الله لا يحب الخائنين، ولا ظلم؛ لأن الله لا يحب الظالمين.