فهرس الكتاب
والإعلام الجاهلي هو وسيلة الجاهلية العقلية والنفسية في الإنشاء والإبقاء على الكفر والفساد، والإعلام هو ساحر الحكم الجاهلي... الإعلام هو المحقق لمهمة الرضى والمتابعة بالكفر، وهو المقاوم للكراهية العارضة لهذا الكفر.
ومن أجل ذلك لا بد من الاستيعاب الكامل لوقت الإنسان وعمره، بحيث لا تفوت لحظة دون أن تكون فتنة، كما قال سبحانه:"بل مكر الليل والنهار".
ولا بد من التناسب الدقيق مع العقلية البشرية كهدف للإعلام، ولعل مؤتمر الندوة الذي حاول الاتفاق على تعريف القرآن دليل على هذا التناسب120.
ولا بد من الأسلوب المؤثر السهل العبارة التي تخرج من هذا الفم ليتلقفها الجميع فتصبح على جميع الألسنة... والحقيقة أن عبد الله ابن سلول هو أستاذ هذا التعبير الإعلامي الجاهلي... فهذه عبارة من عباراته:"سمِّن كلبك يأكلك".
ولكن كل عناصر الإعلام الجاهلي لا ترى مجتمعة إلا في مواجهة أي حدث إسلامي؛ عندئذ تكون العناصر المباشرة المواجهة للحدث:
التهوين من شأن الحدث: مثلما قال أبو لهب تعقيبًا على إعلان الرسالة من النبي صلى الله عليه وسلم من فوق جبل مكة:"تبًا لك طول يومك ألهذا جمعتنا)121، وكأن حدث الرسالة لن يبقى إلا يوم إعلانه (طول يومك) ، الأمر الذي لا يستحق الجمع(ألهذا جمعتنا؟".
قطع الصلة بين أفراد الحدث والواقع الاجتماعي الذي تم فيه الحدث حتى لايكون لهؤلاء الأفراد امتداد اجتماعي... مثلما قال عروة بن مسعود لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت بأوشاب الناس لتفض بيضتك، حتى أفهمه ابن أخيه أنهم ليسوا أوشابًا وكان يلبس المغفر على وجهه فضرب يد عمه وقال له: اخفض يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عروة: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك122...
إعلان أنهم ليسوا على شيء... مثلما استشار المشركون اليهود في أمر الدعوة، فأخبرهم اليهود أن المشركين أفضل من المسلمين، وكما قال القرآن على لسان اليهود في المشركين:"هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا".
المزايدة على أصحاب الدعوة... مثلما زايد المشركون على المسلمين لسقاية البيت وعمارة المسجد الحرام، فأنزل الله عز وجل:"أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر"... والصورة الحديثة للمزايدة على أصحاب أي حدث إسلامي تافهة نفس التفاهة القديمة.
فبمجرد حدوث الحدث يتم تخصيص أماكن خاصة للسيدات في المواصلات وزيادة البرامج الدينية في وسائل الإعلام والاهتمام بأقرب مناسبة دينية والمبالغة في الاحتفال بها.
ولكي تمنع الجاهلية أثر أي حدث إسلامي فإنها بعد أن تمارس رد الفعل الإعلامي المذكور سابقًا بعناصره فإنها تبحث عن أخطاء يغلب الظن فيها أنها لا تنال تأييد الناس.
مثل قول اليهود للرسول: ما بالك تنهى عن الفساد في الأرض وتقطع الشجر؟! فرد القرآن عليهم مبينًا تفسير الموقف123.
ومثلما أخطأ بعض من أرسلهم الرسول صلى الله عليه وسلم في سرية فقتلوا بعض المشركين في الشهر الحرام فأرسلوا إلى رسول الله وقالوا: ما بالك تقتل في الشهر الحرام124.
فرد عليهم مقررًا في البداية خطأ هذا الفعل."يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به".
هذا أساس الحكم.
لكن الذين قَتلوا لم يكونوا يعلمون أنهم دخلوا في الأشهر الحرم، فهذا اعتذار عن الفعل.
وإذا لم يكن هذا السؤال مجرد تشنيع بالمسلمين وكان حرصًا على حرمات الله، فهناك حرمة أكبر وقعوا هم فيها وهم يعلمونها...
"والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله".
"والفتنة أكبر من القتل".
ولا زالت الجاهلية تتابع الحركة الإسلامية وتبحث عن خطأ لها.
التأكيد على إصابة الحدث الإسلامي بأمراض وعقد نفسية... مثلما قال قوم شعيب لنبيهم بعد إعلان دعوته:"إن نراك إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء"... ومثلما قالول لرسول الله بعد إعلان النبوة: إن كان أصابك شيء طلبنا لك الأطباء125.
2)المحور الاقتصادي:
الفقر المنسي والغنى المطغي:
إن الجاهلية تنشئ بسياستها وضعًا اقتصاديًّا عالميًّا ينقسم الناس فيه إلى قسمين: الفقر المنسي، والغنى المطغي.
وهما الحالتان اللتان تبتعدان بالإنسان عن إدراك الحق، فالذي ينسى نفسه فقيرًا يصعب عليه التفكير الصحيح في الواقع، والذي لا يرى نفسه إلا غنيًّا وطاغيًا يصعب عليه إدراك الواقع؛ ولذلك حذر رسول الله من هاتين الحالتين في إطار التحذير من الأسباب التي تبتعد بالإنسان عن الحق والصواب، فيقول:"بادروا بالأعمال سبعا: هل تنتظرون إلا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر"126؛ من أجل ذلك أنشأت الجاهلية المصطلحات المشار إليها: مصطلح الدول النامية، ومصطلح الدول الصناعية الكبرى؛ حيث يعيش الفقر المنسي والغنى المطغي تحت هذين المصطلحين.