فهرس الكتاب

الصفحة 1382 من 1664

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قد بدت بغضاء هؤلاء الذين نهيتكم أيها المؤمنون، أن تتخذوهم بطانة من دونكم لكم"من أفواههم"، يعني بألسنتهم. والذي بدا لهم منهم بألسنتهم، إقامتهم على كفرهم، وعداوتهم من خالف ما هم عليه مقيمونَ من الضلالة. فذلك من أوكد الأسباب في معاداتهم أهل الإيمان، لأن ذلك عداوة على الدين، والعداوة على الدين العداوةُ التي لا زوال لها إلا بانتقال أحد المتعاديين إلى ملة الآخر منهما، وذلك انتقال من هدى إلى ضلالة كانت عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك. فكان في إبدائهم ذلك للمؤمنين، ومقامهم عليه، أبينُ الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه من البغضاء والعداوة"ثم نقل عن قتادة رحمه الله تعالى:"قوله:"قد بدت البغضاء من أفواههم"، يقول: قد بدت البغضاء من أفواهُ المنافقين إلى إخوانهم من الكفار، من غشهم للإسلام وأهله، وبغضهم إياهم"ثم عقب عليه بقوله:"وهذا القول الذي ذكرناه عن قتادة، قول لا معنى له"ثم بدأ يبين سبب حكمه على ما قاله قتادة فقال:"وذلك أن الله تعالى ذكره إنما نهى المؤمنين أن يتخذوا بطانة ممن قد عرفوه بالغش للإسلام وأهله والبغضاء، إما بأدلة ظاهرة دالة على أنّ ذلك من صفتهم، وإما بإظهار الموصوفين بذلك العداوة والشنآن والمناصبة لهم.

فأما من لم يُثبِتوه معرفةً أنه الذي نهاهم الله عز وجل عن مخالَّته ومباطنته، فغير جائز أن يكونوا نهوا عن مخالته ومصادقته، إلا بعد تعريفهم إياهم، إما بأعيانهم وأسمائهم، وإما بصفات قد عرفوهم بها.

وإذْ كان ذلك كذلك وكان إبداء المنافقين بألسنتهم ما في قلوبهم من بغضاء المؤمنين إلى إخوانهم من الكفار، غير مدرِك به المؤمنون معرفةَ ما هم عليه لهم، مع إظهارهم الإيمانَ بألسنتهم لهم والتودد إليهم كان بيِّنًا أن الذي نهى الله المؤمنون عن اتخاذهم لأنفسهم بطانة دونهم، هم الذين قد ظهرت لهم بغضاؤهم بألسنتهم، على ما وصفهم الله عز وجل به، فعرَفهم المؤمنون بالصفة التي نعتهم الله بها، وأنهم هم الذين وصفهم تعالى ذكره بأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون، ممن كان له ذمةٌ وعهدٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أهل الكتاب. لأنهم لو كانوا المنافقين، لكان الأمر فيهم على ما قد بينا. ولو كانوا الكفار ممن قد ناصب المؤمنين الحربَ، لم يكن المؤمنون متخذيهم لأنفسهم بطانة من دون المؤمنين، مع اختلاف بلادهم وافتراق أمصارهم، ولكنهم الذين كانوا بين أظهُر المؤمنين من أهل الكتاب أيامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان له من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وعقدٌ من يهود بني إسرائيل" [7] . فالمعنيون بهذه الآيات ليسوا هم المنافقين وليسوا هم الكفار من أهل الحرب وإنما كفار أهل الذمة"

البر بهم والإقساط إليهم:

لم ينهنا ربنا تبارك وتعالى عن البر والإقساط بمن لم يقاتلنا في الدين ولم يعينوا المشركين علينا، كما قال تعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديارهم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين".

فبرهم والإقساط إليهم أمر مطلوب، لكن ليس من معنى هذا توليتهم الولايات على المسلمين، فإن هذا لم يقل به أحد، والآية إنما تعنى أن المسلمين أهل عدل وإنصاف وإحسان لا يظلمون أحدا شيئا، وأن من لم يقاتلهم في الدين ولم يعن عليهم أحدا فإن المسلمين يحفظون له ذلك ويثيبونه عليه

ما يجوز من الاستخدام أو الاستعانة:

يجوز الاستعانة بأهل الذمة واستخدامهم فيما يحتاج إليه المسلمون وذلك وفق عدة شروط منها:

أن لا يكون في ذلك ولاية على المسلمين

أن يكون حسن الرأي في المسلمين

أن تكون بالمسلمين حاجة إليه

والوقائع التي حدثت في السيرة النبوية تدل على هذا الجواز بتلك القيود المذكورة، وإذا تأمل المتأمل ما يساق من وقائع في ذلك، لا يجد فيها استعانة أو استخداما مطلقا، بل يجدها مقيدة بأحد القيود السابقة، كاستئجار الرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة دليلا مشركا خبيرا بالطرق، فهي ليست ولاية وكان الرجل مأمونا وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في حاجة لذلك، وكذلك اتخاذه عينا (جاسوسا) من خزاعة على مشركي، قريش وكانت خزاعة عيبة نصح [8] لرسول الله صلى الله عليه وسلم مشركهم ومسلمهم، ونحو ذلك من الأمور

محكمة التاريخ:

لقد كانت هناك فترات من الزمن تخلى فيها المسلمون عن كثير من الأحكام الشرعية، وتقاعس فيها بعض ولاة الأمور من المسلمين عن الالتزام بالأحكام الشرعية الخاصة بالمشاركة السياسية لأهل الذمة، فولوهم بعض الولايات والمناصب التي لا ينبغي أن يتولوها، وقد أثبت التاريخ والواقع ما تحدث عنه القرآن بما يكنه الكفار للمسلمين، وما تنطوي عليه أفئدتهم، بما لا يدع مجالا لمُشكك أو لمخذل، وفي هذا الواقع التاريخي بيان ورد على بعض المعاصرين الذين يحاولون التفرقة بين من ظهرت عداوته من أهل الذمة، وبين من ظهرت مودته أو لم تظهر منه عداوة، فيجعلون كل ما تقدم من الأدلة خاصا بمن ظهرت عداوته، ويرون أن من ظهرت مودته أو لم تظهر منه عداوة فإن الأدلة لا تتناوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت