فهرس الكتاب
هناك من يزعم -من المسلمين-أن أهل الذمة في البلاد الإسلامية لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ويستدلون على زعمهم ذلك أن هذه قاعدة شرعية، أو ما ينسبه البعض الآخر للرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين،وهذا لا شك في خطئه فليست هناك قاعدة شرعية تذكر ذلك كما أن الرواية المزعومة من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل هذا النص إنما ورد في حق من أسلم من الكفار، فقد سأل ميمون بن سياه أنس بن مالك قال: يا أبا حمزة ما يحرم دم العبد وماله؟ فقال:"من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم" [4] وأخرجه النسائي بلفظ:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم" [5] وأخرجه أبو داود بلفظ"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" [6] ، فأخذه هؤلاء وجعلوه لأهل الذمة، وأهل الذمة كفار لم يشهدوا أن لا إله إلا الله، ولم يشهدوا أن محمدا رسول الله، ولم يستقبلوا قبلتنا ولم يصلوا صلاتنا، ولا أدرى هل وقعوا في ذلك جهلا أو عمدا، ولا شك أن هذا القول الذي ينسبه هؤلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم مخالف لكل ما تقدم من الأدلة التي أورتها في الحلقة الأولى من المقالة وليس في أيدي هؤلاء أكثر من محاولة بيان عدم دلالة هذه الأدلة، وذلك بأنواع مستكرهة من التأويل.
هل قوله تعالى لا يألونكم خبالا وما تلاها شرط في الحكم أم هو كشف عن حقيقة أمرهم؟
قال الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعلقون"، في هذه الآية كشف وبيان لحقيقة موقف أهل الذمة من المسلمين، ولفظ الآية ونظمها يبين أن ما ذكر فيها هو من خصائص القوم وصفاتهم المتأصلة فيهم، فالله تعالى ينهانا أن نتخذ من أهل الذمة بطانة ويكشف لنا عن حقيقة موقفهم من المسلمين فيقول: إنهم لا يألونكم خبالا، ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم، ثم يبين الله تعالى أن الأمر أكبر مما ظهر بقوله: وما تخفي صدورهم أكبر، ثم يقول الله تعالى محرضا المؤمنين على عدم اتخاذهم بطانة:"قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعلقون"، فجاء أناس ممن يريد لَيَّ النصوص ويدعي الفهم والاستنارة فزعم أن قوله تعالى: لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم هو شرط لتطبيق الحكم، فإذا تخلف ذلك الشرط جاز اتخاذهم بطانة، فإذا كان أهل الذمة ممن لا يجتهدون في أذيتنا، ولا يودون لنا التعب والمشقة، ولم تظهر البغضاء من أفواههم، جاز اتخاذهم بطانة، وهذا ما لم يقله أحد من أهل العلم السابقين.
ولفظ الآية يأبي هذا التفسير التحريفي فالآية تكشف عن حقيقتهم: يا أيها الذين لآمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ...الآية فهذه حقيقتهم والصفة المتأصلة فيهم، ولذلك حسن أن يقال عنهم: قد بدت البغضاء من أفواههم، تأكيدا وتوثيقا للحكم في نفوس السامعين، وحسُن قوله تعالى:"قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعلقون"وكأن فيها جوابا أو ردا لمن يقول: وإذا لم يظهر منهم ما نكره من الأقوال أو الأفعال؟، فيقال لهم: إن كانت لكم عقول تعقلون بها عداوتهم لكم، فقد بينا لكم الآيات الدالة على ذلك، ولذلك يقول ابن جرير في تفسيرها:"فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاء وأصفياء، ثم عرّفهم ما هم عليه لهم منطوون من الغش والخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، فحذرهم بذلك منهم ومن مخالَّتهم"فهم منطوون على هذه الأمور وليست هي شرطا أو قيدا في الحكم تزول بزواله، ومن الذي يقدر على العلم بذلك وهي أمور قلبية لا يطلع عليها الناس، ومع هذا الوضوح فقد زعم بعض من لم يفهم كلام أهل العلم أن الطبري رحمه الله تعالى ممن يرى جواز الاستعانة بغير المسلمين في أمور المسلمين وشئونهم، مع أن الطبري بيَّن ذلك بعبارة واضحة وهو يرد على من يقول إن الذين بدت البغضاء من أفواههم هم المنافقون، قال رحمه الله:"القول في تأويل قوله تعالى:"قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ""