فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 1664

وهكذا نزلت هذه النصوص ; تسمي هؤلاء القاعدين محافظة على أموالهم ومصالحهم , أو إشفاقا من مشاق الهجرة ومتاعب الطريق . . حتى يحين أجلهم . . تسميهم: (ظالمي أنفسهم) . . بما أنهم حرموها الحياة في دار الإسلام , تلك الحياة الرفيعة النظيفة الكريمة الحرة الطليقة . وألزموها الحياة في دار الكفر تلك الحياة الذليلة الخانسة الضعيفة المضطهدة , وتوعدهم (جهنم وساءت مصيرًا) . . مما يدل على أنها تعني الذين فتنواعن دينهم بالفعل هناك !

ولكن التعبير القرآني - على أسلوب القرآن - يعبر في صورة , ويصور في مشهد حي نابض بالحركة والحوار: (إن الذين توفاهم الملائكة . . ظالمي أنفسهم . . قالوا:فيم كنتم ? قالوا:كنا مستضعفين في الأرض ! قالوا:ألم تكن أرض الله واسعة , فتهاجروا فيها ?!) . .

إن القرآن يعالج نفوسا بشرية ; ويهدف الى استجاشة عناصر الخير والمروءة والعزة فيها ; وإلى مطاردة عوامل الضعف والشح والحرص والثقلة . . لذلك يرسم هذا المشهد . . إنه يصور حقيقة . ولكنه يستخدم هذه الحقيقة في موضعها أحسن استخدام , في علاج النفس البشرية . .

ومشهد الاحتضار بذاته مشهد ترتجف له النفس البشرية , وتتحفز لتصور ما فيه . وإظهار الملائكة في المشهد يزيد النفس ارتجافا وتحفزا وحساسية .

وهم - القاعدون - ظلموا أنفسهم . وقد حضرت الملائكة لتتوفاهم وهذا حالهم . . ظالمي أنفسهم . وهذا وحده كفيل بتحريك النفس وارتجافها . إذ يكفي أن يتصور المرء نفسه والملائكة تتوفاه وهو ظالم لنفسه ; وليس أمامه من فرصة أخرى لإنصاف نفسه , فهذه هي اللحظة الأخيرة .

ولكن الملائكة لا يتوفونهم - ظالمي أنفسهم - في صمت . بل يقلبون ماضيهم , ويستنكرون أمرهم ! ويسألونهم:فيم أضاعوا أيامهم ولياليهم ? وماذا كان شغلهم وهمهم في الدنيا: (قالوا:فيم كنتم ?) . .

فإن ما كانوا فيه ضياع في ضياع ; كأن لم يكن لهم شغل إلا هذا الضياع !

ويجيب هؤلاء المحتضرون , في لحظة الاحتضار , على هذا الاستنكار , جوابا كله مذلة , ويحسبونه معذرة على ما فيه من مذلة .

(قالوا:كنا مستضعفين في الأرض) . .

كنا مستضعفين . يستضعفنا الأقوياء . كنا أذلاء في الأرض لا نملك من أمرنا شيئا

وعلى كل ما في هذا الرد من مهانة تدعو إلى الزراية ; وتنفر كل نفس من أن يكون هذا موقفها في لحظة الاحتضار , بعد أن يكون هذا موقفها طوال الحياة . . فإن الملائكة لا يتركون هؤلاء المستضعفين الظالمي أنفسهم . بل يجبهونهم بالحقيقة الواقعة ; ويؤنبونهم على عدم المحاولة , والفرصة قائمة: (قالوا:ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ?!) . .

إنه لم يكن العجز الحقيقي هو الذي يحملهم - إذن - على قبول الذل والهوان والاستضعاف , والفتنة عن الإيمان . . إنما كان هناك شيء آخر . .

حرصهم على أموالهم ومصالحهم وأنفسهم يمسكهم في دار الكفر , وهناك دار الإسلام . ويمسكهم في الضيق وهناك أرض الله الواسعة . والهجرة إليها مستطاعة ; مع احتمال الآلام والتضحيات .

وهنا ينهي المشهد المؤثر , بذكر النهاية المخيفة:

فأولئك مأواهم جهنم , وساءت مصيرًا . .

ثم يستثني من لا حيلة لهم في البقاء في دار الكفر ; والتعرض للفتنة في الدين ; والحرمان من الحياة في دار الإسلام من الشيوخ الضعاف , والنساء والأطفال ; فيعلقهم بالرجاء في عفو الله ومغفرته ورحمته . بسبب عذرهم البين وعجزهم عن الفرار:

إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان , لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا . فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم , وكان الله عفوا غفورًا . .

ويمضي هذا الحكم إلى آخر الزمان ; متجاوزا تلك الحالة الخاصة التي كان يواجهها النص في تاريخ معين , وفي بيئة معينة . . يمضي حكما عاما ; يلحق كل مسلم تناله الفتنة في دينه في أية أرض ; وتمسكه أمواله ومصالحه , أو قراباته وصداقاته ; أو إشفاقه من آلام الهجرة ومتاعبها . متى كان هناك - في الأرض في أي مكان - دار للإسلام ; يأمن فيها على دينه , ويجهر فيها بعقيدته , ويؤدي فيها عباداته ; ويحيا حياة إسلامية في ظل شريعة الله , ويستمتع بهذا المستوى الرفيع من الحياة . .

أما السياق القرآني فيمضي في معالجة النفوس البشرية ; التي تواجه مشاق الهجرة ومتاعبها ومخاوفها ; وتشفق من التعرض لها . وقد عالجها في الآيات السابقة بذلك المشهد المثير للاشمئزاز والخوف معا . فهو يعالجها بعد ذلك ببث عوامل الطمأنينة - سواء وصل المهاجر إلى وجهته أو مات في طريقه - في حالة الهجرة في سبيل الله , وبضمان الله للمهاجر منذ ان يخرج من بيته مهاجرا في سبيله . ووعده بالسعة والمتنفس في الأرض والمنطلق , فلا تضيق به الشعاب والفجاج:

(ومن يهاجر - في سبيل الله - يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة . ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله - ثم يدركه الموت - فقد وقع أجره على الله . وكان الله غفورا رحيما) . .

إن المنهج الرباني القرآني يعالج في هذه الآية مخاوف النفس المتنوعة ; وهي تواجه مخاطر الهجرة ; في مثل تلك الظروف التي كانت قائمة ; والتي قد تتكرر بذاتها أو بما يشابهها من المخاوف في كل حين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت