فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 1664

وهو يعالج هذه النفس في وضوح وفصاحة ; فلا يكتم عنها شيئا من المخاوف ; ولا يداري عنها شيئا من الأخطار - بما في ذلك خطر الموت - ولكنه يسكب فيها الطمأنينة بحقائق أخرى وبضمانة الله سبحانه وتعالى . .

فهو أولا يحدد الهجرة بأنها (في سبيل الله) . . وهذه هي الهجرة المعتبرة في الإسلام . فليست هجرة للثراء , أو هجرة للنجاة من المتاعب , أو هجرة للذائذ والشهوات , أو هجرة لأي عرض من أعراض الحياة . ومن يهاجر هذه الهجرة - في سبيل الله - يجد في الأرض فسحة ومنطلقا فلا تضيق به الأرض , ولا يعدم الحيلة والوسيلة . للنجاة وللرزق والحياة:

(ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة) . .

وإنما هو ضعف النفس وحرصها وشحها ; يخيل إليها أن وسائل الحياة والرزق , مرهونة بأرض , ومقيدة بظروف , ومرتبطة بملابسات لو فارقتها لم تجد للحياة سبيلا .

وهذا التصور الكاذب لحقيقة أسباب الرزق وأسباب الحياة والنجاة ; هو الذي يجعل النفوس تقبل الذل والضيم , وتسكت على الفتنة في الدين ; ثم تتعرض لذلك المصير البائس . مصير الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم . والله يقرر الحقيقة الموعودة لمن يهاجر في سبيل الله . . إنه سيجد في أرض الله منطلقا وسيجد فيها سعة . وسيجد الله في كل مكان يذهب إليه , يحييه ويرزقه وينجيه . .

ولكن الأجل قد يوافي في أثناء الرحلة والهجرة في سبيل الله . . والموت - كما تقدم في سياق السورة - لا علاقة له بالأسباب الظاهرة ; إنما هو حتم محتوم عندما يحين الأجل المرسوم . وسواء أقام أم هاجر , فإن الأجل لا يستقدم ولا يستأخر .

غير أن النفس البشرية لها تصوراتها ولها تأثراتها بالملابسات الظاهرة . . والمنهج يراعي هذا ويعالجه . فيعطي ضمانة الله بوقوع الأجر على الله منذ الخطوة الأولى من البيت في الهجرة إلى الله ورسوله:

(ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله - ثم يدركه الموت - فقد وقع أجره على الله) . .

أجره كله . أجر الهجرة والرحلة والوصول إلى دار الإسلام والحياة في دار الإسلام . . فماذا بعد ضمان الله من ضمان ?

ومع ضمانة الأجر التلويح بالمغفرة للذنوب والرحمة في الحساب . وهذا فوق الصفقة الأولى .

وكان الله غفورا رحيمًا .

إنها صفقة رابحة دون شك . يقبض فيها المهاجر الثمن كله منذ الخطوة الأولى - خطوة الخروج من البيت مهاجرا إلى الله ورسوله - والموت هو الموت . في موعده الذي لا يتأخر . والذي لا علاقة له بهجرة أو إقامة . ولو أقام المهاجر ولم يخرج من بيته لجاءه الموت في موعده . ولخسر الصفقة الرابحة . فلا أجر ولا مغفرة ولا رحمة . بل هنالك الملائكة تتوفاه ظالما لنفسه !

وشتان بين صفقة وصفقة ! وشتان بين مصير ومصير !

ويخلص لنا من هذه الآيات التي استعرضناها من هذا الدرس - إلى هذا الموضع - عدة اعتبارات , نجملها قبل أن نعبر إلى بقية الدرس وبقية ما فيه من موضوعات .

يخلص لنا منها مدى كراهية الإسلام للقعود عن الجهاد في سبيل الله ; والقعود عن الانضمام للصف المسلم المجاهد . . اللهم إلا من عذرهم الله من أولي الضرر , ومن العاجزين عن الهجرة لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا . .

وفي التفسير الوسيط (1) :

روى المفسرون في سبب نزول قوله - تعالى - { إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ } روايات منها ما أخرجه البخارى عن ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسوله صلى الله عليه وسلم يأتى السهم فيرمى به فيصب أحدهم فيقتله . أو يضرب فيقتل . فأنزل الله: { إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ } . . . الآية . ومنها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا . وكانوا يخفون الإِسلام . فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر . فأصيب بعضهم . فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستفغروا لهم فنزلت الآية .

قال ابن كثير - بعد ذكره لهذه الروايات - . هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهرانى المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه ، مرتكب حراما بالإِجماع وبنص هذه الآية .

وقوله: { تَوَفَّاهُمُ } يحتمل أن يكون فعلا ماضيا ، وتركت علامة التأنيث للفصل ، ولأن الفاعل ليس مؤنثًا تأنيثًا حقيقيًا . ويحتمل أن يكون فعلا مضارعا وأصله"تتوفاهم"فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا . وهو من توفى الشئ إذا أخذه وافيا تام .

والمراد من التوفى: قبض أرواحهم وإماتتهم . وقيل المراد به: حشرهم إلى جهنم .

والمراد من الملائكة: ملك الموت وأعوانه الذين يتلون قبض الأرواح بإذن الله وأمره .

وظلم النفس معناه: أن يفعل الإِنسان فعلا يؤدى إلى مضرته وسوء عاقبته سواء أكان هذا الفعل كفرًا أم معصية .

وإنما كان ظالما لنفسه لأنه قال قولا أو فعل فعلا ليس من شأن العقلاء أن يقولوه أو يفعلوه لو خامة عقباه .

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1045)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت