فهرس الكتاب

الصفحة 1458 من 1664

ولهذا: كان ينبغي - بل يتعين - التحفظ من ذلك ، ووضع الشروط التي تمنع من الهوى في تلك المهالك .

فالإقامة في بلاد الكفر لا بد فيها من شرطين أساسيين:

الشرط الأول:

أمن المقيم على دينه ، بحيث يكون عنده من العلم والإيمان وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه ، والحذر من الانحراف والزيغ ، وأن يكون مضمرًا لعداوة الكافرين وبغضهم ، مبتعدًا عن موالاتهم ومحبتهم ، فإن موالاتهم ومحبتهم مما ينافي الإيمان ، قال الله تعالى: { لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُم } الآية وقال تعلى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ } مثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أن من أحب قومًا فهو منهم ) )، (( وأن المرء مع من أحب ) )ومحبة أعداء الله من أعظم ما يكون خطرًا على المسلم ؛ لأن محبتهم تستلزم موافقتهم واتباعهم ، أو على الأقل عدم الإنكار عليهم ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من أحب قومًا فهو منهم ) ).

الشرط الثاني:

أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع ، فلا يُمْنع من إقامة الصلاة ، والجمعة والجماعات ، إن كان معه من يصلي جماعة ومن يقيم الجمعة ، ولا يمنع من الزكاة والصيام والحج ، وغيرها من شعائر الدين .

فإن كان لا يتمكن من ذلك لم تجز الإقامة ، لوجوب الهجرة حينئذ ، قال في كتاب المغني ( 8/457 ) في الكلام على أقسام الناس في الهجرة:"أحدها: من تجب عليه: وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه ، ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار ، فهذا تجب عليه الهجرة ، لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"ازهـ .

وبعد تمام هذين الشرطين الأساسيين تنقسم الإقامة في دار الكفر إلى أقسام:

القسم الأول:

أن يقيم للدعوة إلى الإسلام والترغيب فيه ، فهذا نوع من الجهاد ، فهي فرض كفاية على من قدر عليها ، بشرط أن تتحقق الدعوة ، وأن لا يوجد من يمنع منها أو من الاستجابة إليها . لأن الدعوة إلى الإسلام من واجبات الدين ، وهي طريقة المرسلين ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه في كل زمان ومكان ، فقال: (( بلغوا عني ولو آية ) ) ( 5 )

القسم الثاني:

أن يقيم لدراسة أحوال الكافرين ، والتعرف على ما هم عليه من فساد العقيدة ، وبطلان التعبد ، وانحلال الأخلاق ، وفوضوية السلوك ، ليحذر الناس من الاغترار بهم ، ويبين للمعجبين بهم حقيقة حالهم .

وهذه الإقامة نوع من الجهاد أيضًا لما يترتب عليها من التحذير من الكفر وأهله ، المتضمن للترغيب في الإسلام وهديه ؛ لأن فساد الكفر دليل دليل على صلاح الإسلام ، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء ، لكن لا بد من شرطِ أن يتحقق مراده بدون مفسدة أعظم منه ، فإن لم يتحقق مراده بأن مُنع من نشر ما هم عليه والتحذير منه ، فلا فائدة من إقامته ، وإن تحقق مراده مع مفسدة أعظم ، مثل: أن يقابلوا فعله بسب الإسلام ورسول الإسلام وأئمة الإسلام ، وجب الكفّ

لقوله تعالى: { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .

ويشبه هذا: أن يقيم في بلاد الكفار ليكون عينًا للمسلمين ليعرف ما يدبروه للمسلمين من المكايد ، فيحذرهم المسلمون ، كما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان إلى المشركين في غزوة الخندق ليعرف خبرهم .

القسم الثالث:

أن يقيم لحاجة الدولة المسلمة ، وتنظيم علاقاتها مع دولة الكفر - كموظفي السفارات - فحكمها حكم من أقام من أجله .

فالملحق الثقافي مثلا يقيم فيرعى شئون الطلبة ، ويراقبهم ويحملهم على التزام الإسلام وأخلاقه وآدابه ، فيحصل بإقامته مصلحة كبيرة يندرءُ بها شر كبير .

القسم الرابع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت