فهرس الكتاب

الصفحة 1478 من 1664

والشيخ رحمه الله قد بيّن حرمة الصلح الدائم مع اليهود ، وأكَّده في الفتوى ذاتها ، وفي بيانه لمراده - رحمه الله - في فتاوى لاحقة (39) ، وهذا الفرق يدركه العلماء ورجال السياسة ؛ ولذلك نجد اللجان الشرعية في حركة حماس الإسلامية ، تبني موقفها الحالي من الامتناع عن الصلح على موقف الكيان الصهيوني من عدم الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني الذي هو جزء من الأمة المسلمة في أرضه كلها وماله ، وهو ما يفسِّر عدم جنوح قيادات الكيان الصهيوني للسلم ؛ بينما لو فعل ذلك ، فلن تجد حركة حماس ما يمنعها شرعا من الصلح ( الهدنة ) مع هذا الكيان .

هذا ما ما ناسب ذكره في هذه الحلقة . وفي الحلقة القادمة سيكون الحديث إن شاء الله تعالى عن الضرب الثالث من هذا النوع ، وذلك الضرب هو: مسائل ورد بشأنها أحكام شرعية ، لكن احتف بها ما يقتضي عدم فعلها ، أو استثنائها من أحكام نظائرها . وهو من أهم مجالات السياسة الشرعية وأكثرها تطبيقا في واقعنا المعاصر ، ولذلك سأورد إن شاء الله تعالى في الحلقة القادة جملة مهمة من التطبيقات العصرية .

والله الموفق .

[الضرب الثالث وبعض تطبيقاته العصرية ]

الضرب الثالث: مسائل ورد بشأنها أحكام شرعية ، لكن احتف بها ما يقتضي عدم فعلها ، أو استثنائها من أحكام نظائرها . ولذلك أسباب ، منها:

1)عدم فعل المشروع - من حيث الأصل - بالنظر إلى ما يؤول إليه الحال عند تطبيق الحكم .

ومن أمثلته التشريعية: قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة - رضي الله عنها -: (( يَا عَائِشَةُ لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ ) ) (40) فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مشروع من حيث الأصل ، لكن لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ناظرًا إلى ما يؤول إليه من مفسدة - في وقته - أعظم من مصلحة نقض الكعبة وردِّها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا باستعظامهم ما لم يعهدوه (41) .

وقد بيَّن الشاطبي رحمه الله أنَّ الإمام مالكًا رحمه الله ، قد راعى قاعدة: ( النظر إلى المآل ) ، عندما شاوره أبو جعفر المنصور أن يهدم ما بنى الحجاج من الكعبة ويردَّها على قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم عملًا بهذا الحديث ، كما كان قد صنع عبد الله بن الزبير في خلافته ، فقد قال له:"أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيَّرَه ؛ فتذهب هيبته من قلوب النَّاس"، فصرفه عن رأيه فيه خشية أن يؤول بناء الكعبة إلى التغيير المتتابع باجتهاد أو غيره ، فملك يبني ليكون بناؤها على القواعد من أعماله ومآثره وآخر يهدم ليجعل إعادتها من أعماله ومآثره مثلا ؛ فلا يثبت بناء الكعبة على حال (42) .

2)حصول ما يقتضي استثناء الواقعة من أحكام نظائرها .

ومن أمثلته المهمة: أنَّ النجاشي الملك الصالح رحمه الله ، كان يتحرى العدل ما أمكنه ذلك ، وكان يحكم يما يمكنه من الشرع ، ومما ثبت في ذلك ما روته أم حبيبة _رضي الله عنها_ أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة فزوجها النجاشي النبي _صلى الله عليه وسلم_ وأمهرها عنه أربعة آلاف وبعث بها إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ مع شرحبيل بن حسنة. رواه أبو داود واحتج به وصححه غير واحد من أهل العلم .

وكان النجاشي معذورًا فيما لم يمكنه الحكم به من شريعة الإسلام ؛ لكونه بدار كفر لا شوكة له فيها ، وخوفه على دينه ، وعدم علمه بكثير من الأحكام الشرعية ، وعجزه عن الحكم ببعض ما بلغه .

قال الشيخ أبو العباس ابن تيمية _رحمه الله تعالى_:"لا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر وقد آمن وهو عاجز عن الهجرة لا يجب عليه من الشرائع ما يعجز عنها، بل الوجوب بحسب الإمكان، وكذلك ما لم يعلم حكمه، فلو لم يعلم أن الصلاة واجبة عليه وبقي مدة لم يصل ، لم يجب عليه القضاء في أظهر قولي العلماء ، وهذا مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر ، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد، وكذلك سائر الواجبات من صوم شهر رمضان وأداء الزكاة وغير ذلك" (43) .

ومن ذلك ما أفتت به اللجنة الدائمة أن من"أمن على نفسه من الفتنة في دينه ، وكان حفيظًا عليمًا يرجو الإصلاح لغيره ، وأن يتعدى نفعه إلى من سواه وألا يعين على باطل ، جاز له العمل في الدول الكافرة ، ومن هؤلاء يوسف _عليه الصلاة والسلام_ ، وإلا لم يجز" (44) .

ومنها: تأخير إقامة الحدود في حال الغزو وقد ورد به النص (45) ؛ درءًا لمفسدة اللجوء للكفار ، ومناصرتهم على المسلمين ، أو كشف أسرار المسلمين لهم .

ومن أمثلته أيضًا: عدم إقامة حدّ السرقة في أوقات المجاعات (46) ؛ درءًا للحد بشبهة الضرورة إلى المسروق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت