فهرس الكتاب
ومنه: فتوى بعض العلماء بجواز التسعير في بعض الحالات (47) .
ومن أمثلته المعاصرة: التوقف عن جهاد الطلب ( الدعوة ونشر الحرية ) - لا ابتداع القول بإلغائه - مع إمكان النكاية في العدو في بعض الظروف والأحوال ، كما إذا غلب على الظّنّ تسبب ذلك في جلب لعدو إلى بلاد المسلمين ، أو القضاء على المكتسبات الدعوية التي تحقق مقاصد الجهاد في البلد الذي يراد إعلانه فيه .
ومن صوره: منع العلماء الربانيين والولاة المخلصين بعضَ الراغبين في الجهاد من المسلمين من بعض البلاد أو الأقليات الإسلامية إلى بلاد يوجد فيها جهاد شرعي يقوم به أهلها ؛ إذا بني المنع على ما يؤول إليه ذهابهم من أضرار على البلاد التي ينتمون إليها أو المسلمين الذي يعيشون بينهم ، بما يعود في المآل على أصل المشروعية في الحال المذكورة بالبطلان ، أو لكون تلك الأضرار مما يجب درؤه شرعا .
ومن أمثلته وتطبيقاته المعاصرة: جواز التجنس بجنسية بلد غير إسلامي في حالات استثنائية يقدرها العالم الرباني ، مع أن الأصل منع البقاء في بلاد الكفر والقبول بجنسيتها .
ومنها: جواز المشاركة في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية في بلد كافر بانتخاب مسلم أو انتخاب كافر هو الأقل ضررا على المسلمين أو الأعدل فيما يتعلق بالمسلمين .
ومنها: المشاركة في المظاهرات التي يراد بها التعبير عن حق أو دفع ظلم أو نفع المسلمين في البلدان التي تأذن للناس بها ، وذلك بضوابط معينة ، ولو مع غير المسلمين (48) .
وفي الحلقة القادمة - إن شاء الله تعالى - نكمل بإيراد أمثلة أخرى وذكر تنبيهات مهمّة في طريقة طريقة ذكر العلماء لمثل هذه الصور ، وكيفية الإفادة الشرعية من مثل هذه الأحكام مما ورد عن أهل العلم الربانيين .
[تتمة الضرب الثالث وذكر مزيد من تطبيقاته العصرية]
ومن أمثلة المسائل والوقائع التي تستثنى من أحكام نظائرها أيضًا: ما يفتي به بعض العلماء من منع المسلم من رعايا الدول الإسلامية من الزواج بالنساء الغربيات من أهل الكتاب ، إلا في حالات استثنائية ، مع أن الأصل جواز نكاح نساء أهل الكتاب ؛ وذلك لما يترتب على الزواج منهن اليوم من آثار لا تحمد عقباها على الزوج وذريته .
ومنها: منع الأنظمة عندنا في المملكة العربية السعودية من زواج بعض أصحاب المناصب المهمة كأصحاب الوظائف العسكرية والأمنية ، بغير السعوديات ، مع أن الأصل حل زواج المسلمات من أي بلد وأي عرق ، ومع أن الأصل أيضا حل النساء المحصنات من أهل الكتاب من أي بلد وأي عرق .
ومنها: تدخّل ولي الأمر في شؤون الأفراد في كل ظرف يغلب على الظنّ فوات مصلحة شرعية عامَّة بعدم التدخل فيه ، كمنع التدخل في أصل حق التملك ، في مسألة منع الاحتكار ، أو حق التصرف في السلعة بالبيع بالثمن المشروع في الأصل ، كما في الإلزام بالتسعير ، وهكذا التدخل بإجراءات توقف ضررا عاما في الناس .
ولعلَّ منها: التدرج في تنفيذ ما يجب تنفيذه من تطبيقات الشريعة مما يعسر تطبيقه بجملته ، و ذلك في ضوء قول الله عز وجل: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ) [التغابن:16] . وقد مرّ ذكر حال النجاشي رحمه الله في ذلك وما استنبطه العلماء من قصته . ويلحق به كل مخلص من فرد أو جماعة ، قدر أن يعمل لهذا الدين بما يحقق مقاصده ولو بالتدرج ، دون تنازل عن الثوابت ، أو تهاون في الأصول ، أو عمل ما يعود على أصل تشريعي أو حكم شرعي بالبطلان .
وأمثلة هذا الضرب كثيرة ، بل يمكن القول - والله تعالى أعلم -: إنَّ جلّ فروع أنواع الاستحسان بالاجتهاد ، مندرجة تحت هذا الضرب من المسائل ، وهو باب واسع خطير .
ومن هنا نلحظ أن أهل العلم ولا سيما الأوائل منهم ، لم يكونوا يقرِّرون أحكامًا عامّة في هذا الباب ، لكنهم يفتون في كل مسألة وواقعة منه وفق الظرف والحال وما يحتف بذلك من مؤثِّرات في الحكم .
وكذلك لم نجد العلماء الربانيين يأخذون من تلك الفتاوى والتصرفات الاستثنائية أحكاما نهائية عامّة ، فلم نر منهم من قال - مثلًا - إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد ألغى حدّ السرقة ! كما يزعم بعض تلاميذ المستشرقين وتلاميذ تلاميذهم في هذا العصر .
وعليه فإنَّ كل مسألة من المسائل الممثل بها هنا ، لا يؤخذ منها جواز تطبيقها من كل أحدٍ وفي كل ظرف ، بل لا بد من الرجوع إلى أهل العلم ، والصدور عنهم في تقرير المشروعية من عدمها في كل مسألة مماثلة بعينها .
وهذه الأمثلة تعود في طريقة استنباطها إلى أحد أسس السياسة الشرعية التي تستند إلى أسس أخرى ، فهي من مسائل ( الاستحسان ) ووجه الاستحسان فيها هو مستند المشروعية التي عدل بها عن نظائرها لكون وجه الاستثناء فيها أقوى من وجه إبقائها على حكم النظائر الأخرى .
هذا ما ما ناسب ذكره في هذه الحلقة . وفي الحلقة القادمة سيكون الحديث إن شاء الله تعالى عن النوع الثالث ، وهو: أحكام وقائع أو إجراءاتٍ وأمور إدارية ، لم يوقف لها على دليل جزئيِ خاصِ ، من نصٍّ أو إجماع أو قياس .
النوع الثالث: ما لم يرد فيه نص جزئي خاص