فهرس الكتاب
وقد ورد أن عمر الخطاب رضي الله عنه أراد أن يفرق بين حذيفة وكتابية، فقال له حذيفة:"أتزعم أنها حرام، فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين؟، قال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن". (تفسير القرطبي 3/68) .
3-وهو الشرط المأخوذ من واقع الحال حين نزول الآية: أن تكون المرأة من اللاتي تخضعن للرجل، وتقر له بالقوامة، وما يتبع ذلك من الطاعة وعدم النشوز..
وذلك أن العرب حين نزول الآية كان للرجل الولاية على المرأة، فإذا تحقق هذا الشرط، وإلا فالمنع.. وتحقيق الشرط ألا يكونا في بلد يعطل قوامة الرجل على المرأة، ويعينها على النشوز، ويعطيها من الحقوق ما ليس لها، كأن تستحوذ على الأولاد بعد الطلاق، ونحو ذلك..
على أن لهذا الشرط دليلا مستنبطا من قوله تعالى:
{ولاتنحكوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم، أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون} ..
فإن آية المائدة ما نسخت إلا الحكم في نساء أهل الكتاب دون الذكور، فبقي الحكم المنع في زواج المسلمات بأهل الشرك عموما، ومنهم أهل الكتاب، والسؤال هنا:
لم أذن للمؤمنين ولم يؤذن للمؤمنات الزواج من أهل الكتاب؟…
لاريب أن السبب الظاهر هو: القوامة..
لما كانت القوامة للرجل كان الإذن للمؤمنين، وذلك أن المؤمن إذا تزوج بكتابية، فقوامته عليها مما ييسر دخولها إلى الإسلام، فالمرأة تبع للرجل، تدور حيث دار، فإذا أحبته كان إسلامها أرجى، وهذه المصلحة تتعسر إذا تعطل حقه في القوامة عليها، وهذا بخلاف المؤمنة إذا نكحت مشركا، فإنها معرضة للفتنة في دينها، إما بالأذى، وإما بحبها له، فقد تترك دينها إلى دينه، وهذا متوقع، لما في المرأة من ضعف وعاطفة..
يضاف إلى ذلك أنه في ظل القوامة فإن الرجل المشرك هو الذي يعلو المرأة المؤمنة لو كان زوجها، وفي الأثر: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليها) ، فليس الكافر كفؤا للمؤمنة…
هذا الفرق في الحكم يوقفنا على حقيقة الإذن للرجل المسلم أن يتزوج بالكتابية، وأن ذلك كله مبني، من ضمن ما هو مبني عليه، على تحقق القوامة، فإذا عطلت فمفسدتها أكبر من مصلحتها، فلا هو سبيل لإسلامها، إلا قليلا، ويتبعها من المفاسد ما لا يحصى، فربما نشزت عليه فلا يستطيع نيل حقه الشرعي منها، وإذا طلقها لم يقدر على تحصيل أولاده منها، ففسد فراشه، وربما تهود أو تنصر عياله، وهو لايستطيع إلى منع ذلك سبيلا، وأية مصيبة أعظم من أن يتسبب في كفر أبنائه.
إذا علم ما سبق، فإن أكثر أحوال الزواج بالكتابيات اليوم لاتتحقق فيها تلك الشروط الآنفة، أو بعضها، إلا قليلا:
-فالإلحاد يبسط سلطانه على كثير من بلاد الغرب، وهي ظاهرة منتشرة، فالبلاد النصرانية علمانية، لاتحتكم إلى الدين في شيء، ولاتأمر بذلك..
-والانحلال الخلقي، والعلاقات غير المشروعة هو الأصل في أوربا وأمريكا، ومن الظواهر السلبية: أن تكون الفتاة بلا صديق، والاختلاط هو الأصل، وكذا التعري، والحرية الجنسية، والفتاة لاتخضع لولاية أحد عقب الثامنة عشرة من عمرها، وعليها أن تنفق على نفسها، ولها أن تفعل ما تشاء، وفي مثل هذه الأوضاع أنى يمكن تحصيل العفيفة، إلا فيما ندر، والنادر لا حكم له؟!!.
-ثم قوانين تلك البلاد لاتعترف بالقوامة أصلا، بل تعده رجعية تخلفا، وكم عانى المتزوجون من الكتابيات من هذه القوانين، ففقدوا مصالحهم وأبناءهم، وتجرعوا الندم لما لحقهم من الخسران والوبال..
ولو أنهم راعوا الشروط السابقة لما نالتهم تلك المصائب، فإن كثيرا منهم تزوج من ليس لها من دينها إلا الاسم، ولاتلتزم به جملة ولا تفصيلا، وليست بمحصنة، بل بغية لم تتب، ولم تتبرأ من ذنبها، ولا تعترف بالقوامة والخضوع لولاية الرجل، تزوجها بدعوى أنها كتابية دون أن ينظر في تطبيق شروط الزواج بها، فناله ما ناله، مما نسمع به كل يوم..
فبعض الذين تورطوا ابتغوا تصحيح الخطأ، فسارعوا بالخروج بأبنائهم، خشية عليهم من الكفر، واضطروا للتحايل على قوانين تلك البلاد، التي لا تحكم بدين ولا بشريعة، فمنهم من نجاه الله فنفذ بهم إلى بلاد الإسلام، ومنهم من لم يقدر، ثم إن بعض تلك البلاد ما زلت تلاحق إلى اليوم من تسميهم رعايا لهم، وهم أولا هذا المسلم من تلك النصرانية، تلاحقهم إلى بلدانهم تطالب برجوعهم إلى حيث الكفر والرذيلة، بل ربما سعت في تدبير اختطافهم، وكم من هؤلاء الآباء في عنت وخوف، من أن يسرق منهم أبناؤهم.
فلو أنهم عملوا بالشروط، لما وقعوا فيما وقعوا فيه، وكان أمر الله قدرا مقدورا..
مما جاء في هذا السياق: مسالة تزوج المسلم بالكتابية إذا كانت من أهل حرب..
فقد ذهب بعض العلماء إلى المنع من ذلك: سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك فقال:
"لايحل، وتلا قول الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسول ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ."
وكره مالك تزوج الحربيات، لعلة ترك الولد في دار الحرب، ولتصرفها في الخمر والخنزير" (القرطبي 3/69) "