فهرس الكتاب

الصفحة 1491 من 1664

أخرج الدارمي في سننه في مقدمته عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ (( خُذُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ ) )قَالُوا: وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَفِينَا كِتَابُ اللَّهِ؟ قَالَ:فَغَضِبَ لَا يُغْضِبُهُ إلاَّ اللَّهُ ، ثُمَّ قَالَ: (( ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ أَوَلَمْ تَكُنِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمْ شَيْئًا؟! إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ ، إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ ) ).

قال الإمام الشوكاني ـ رحمه الله ـ: (إنَّ إنصاف الرجل لا يتمُّ حتَّى يأخذ كلَّ فنٍّ عن أهله كائنًا ما كان ؛ فإنَّه لو ذهب العالم الذي تأهَّل للاجتهاد يأخذ مثلًا الحديث عن أهله ثمَّ يريد أن يأخذ ما يتعلَّق بتفسيره في اللغة عنهم ، كان مخطئًا في أخذ المدلول اللغوي عنهم ، وهكذا المعنى الإعرابي عنهم فإنَّه خطأ) ثمَّ يؤكِّد الإمام الشوكاني هذه المنهجيَّة المتَّزنة بقوله: (فالعالم إذا ظفر بالحق من أبوابه ، ودخل إلى الإنصاف بأقوى أسبابه ، وأمَّا إذا أخذ العلم عن غير أهله، ورجَّح ما يجده من الكلام لأهل العلم في فنون ليسوا من أهلها ، فإنَّه يخبط ويخلط ، ويأتي من الأقوال والترجيحات بما هو في أبعد درجات الإتقان وهو حقيق بذاك) ا.هـ [أدب الطلب ومنتهى الأرب/76]

وكم من مدَّعٍ للعلم ، متعالم مع جهل ، ينظر لنفسه نظر الكبر والغرور ، فيظنُّ أنَّ جمع العلم يكون من قراءته للكتب فحسب ، فلا حاجة ليقرأ العلم على أهله ، ولا ليثني ركبه عند أهل العلم ، تلقيًا منهم ومذاكرة معهم ، ومراجعة عليهم ، ليعلو كعبه في العلم ، ويعلم أنَّه [من البليَّة تشيُّخ الصحيفة] وقد كان أهل العلم ينهون عن نيل العلم من الكتب فحسب ، بل لابد من مقارنة ذلك بالحضور عند أهل العلم ، والتلقي من الأشياخ ، ليقوى باع الطالب في العلم ، ويشتد عوده في الفهم ، ويصلب مراسه لمعالجة مشكلات الكتب وما يكتنفها من مسائل غامضة. قال كمال الدين الشمني:

من يأخذ العلم عن شيخ مشافهةً *** يكن من الزيف والتصحيف في حرمِ

ومن يكن آخذًا للعلم من صحف *** فعلمه عند أهل العلم كالعدم

قال الأوزاعي: كان هذا العلم شيئًا شريفًا ؛ إذ كان من أفواه الرجال يتلاقونه ويتذاكرونه ، فلما صار في الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله.

وحين يتأمل المرء في بعض الكتب الصادرة ، وما يجد فيها من فهم خاطئ لبعض نصوص الكتاب والسنَّة ، وأقوال أهل العلم ، يتيقن بأنَّ الخطأ ليس في صياغة الشيخ في كتابه بدلالاته اللغوية ، ومعانيه الكلاميَّة ، وإنَّما من الفهم القاصر لقارئ الكتاب ، ممَّا يجعله ينزلق في الفهم القاصر ، كما قال ابن القيم: (ما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة) [مدارج السالكين2/431] . وصدق من قال:

وكم من عائب قولًا صحيحًا *** وآفته من الفهم السقيم

ولا عجبَ أن ترى كثيرًا من المسائل التي وقعت بها أخطاء علميَّة ، أدَّت فيما بعد لأن تكون أقوالًا تنسب لبعض المنتسبين للعلم ، لتكون خلافًا يحكى أمد الدهر ، وذلك لقلَّة الفهم ، وضعف العلم ، ولو سكت هؤلاء القوم ولم ينطقوا لكان ذلك بهم أحرى وأوْلى من أن يتكالبوا على التدريس والتعليم ، وبضاعتهم في العلم مزجاة ، وممَّا يحسن إيراده في هذا المقام ما قاله كلثوم العتابي حيث قال: (لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف ) معجم الأدباء (5/19) وقال أبوحامد الغزالي: (لو سكت من لا يعرف قلَّ الاختلاف ، ومن قصر باعه وضاق نظره عن كلام علماء الأمَّة والاطِّلاع عليه فماله وللتكلُّم فيما لا يدريه ، والدخول فيما لا يعنيه ، وحق مثل هذا أن يلزم السكوت) [الحاوي للفتاوى2/116] .

ولهذا كان أهل العلم ـ رحمهم الله جميعًا ـ إذا سئلوا عن مسألة ولم يعرفوا لها جوابًا قالوا: الله أعلم ، ولم يفذلكوا أو يكذلكوا ، بل كانوا متَّسمين بالوضوح تجاه مستفتيهم ، إن علموا حكم المسألة قالوا بها ، وإن جهلوها قالوا لا نعرفها ، بل كانوا لا يجزمون في فتاويهم ـ في بعض الأحيان ـ إن شعروا أنَّ المسألة قد تحتمل أوجهًا متعدِّدة ، كما نقل عن الإمام مالك أنَّه في بعض الأحيان إن أفتى قال: (إن نظنُّ إلاَّ ظنًَّا وما نحن بمستيقنين) [جامع بيان العلم وفضله2/146] وممَّا نقل عن بعض أهل العلم حين كانوا لا يعرفون حكم المسألة أو يجهلونها ، ما نُقِلَ عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أنَّه قال: (وابردها على الكبد إذا سئل أحدكم عمَّا لا يعلم ، أن يقول: الله أعلم) [تعظيم الفتيا لابن الجوزي/81] .

3ـ ألاَّ يكون من أصحاب تتبع الرخص ، ومن المتساهلين في فتاويهم وتعليمهم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت