فهرس الكتاب

الصفحة 1492 من 1664

والحقيقة أنَّ أصحاب تتبُّع الرخص صاروا يستمرؤون هذه الخصلة وخاصَّة في هذا الزمان ، بل صاروا يأتوننا بأسماء جديدة للفقه ، فطورًا يقولون: نحن من دعاة (تطوير الفقه الإسلامي) وتارة يقولون: نحن أصحاب مدرسة (فقه التيسير والوسطيَّة) وليتهم كانوا كذلك ، فهناك فرق بين التيسير الذي هو سمة الفقهاء الراسخين ، والتفريط الذي هو سمة المتساهلين!

بيد أنَّ التيسير والترخيص لا يؤخذ إلاَّ من رجل عالم ثبت ثقة، وأمَّا أن يؤخذ ذلك من كل أحد يدَّعي الاجتهاد والتعليم ، فإنَّ ذلك هو المرفوض قطعًا ، وبما أنَّ الربَّاني يرفض الغلو والتشديد ، فهو كذلك يرفض الترخيص والتساهل من غير الثقات ، لذا قال الإمام سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ (إنَّما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التَّشدد فيحسنه كلُّ أحد) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (1/784) فليفرَّق بين أصحاب مدرسة التيسير المتَّبعين لضوابط الشرع ، وبين أولي التساهل والتفريط والتمييع وعلى هذا فقس، من أنصار تطويع الفتوى للواقع ، وليِّ أعناقها لتواكب هذا العصر وتوازن ميوله واتجاهاته خشية أن يٌنْبَزُوا بأنَّهم متشدِّدون متنطِّعون!

وصرنا نرى فتاوى يضحك الجهلاء منها ، كشيخ يرى جواز كشف شعر المرأة لأنَّ هناك عالمًا كان يرى كشف شعر المرأة ؛ ولذا فلا بأس بأن تكشف المرأة شعرها ، وشيخ يفتي النساء المسلمات ويدعوهنَّ إلى التَّخلِّي عن الحجاب تلافيًا لموجة الاعتداءات على المسلمين التي شهدتها بريطانيا عقب الهجمات على لندن ، وآخر يرى جوازَ بيعِ المسلمينَ للكفَّارِ الخمرَ ، بدعوى الضرورة والحاجة:

أمور تضحك السفهاء منها *** ويبكي من عواقبها الحليم

وثالث يفتي بجواز التطبيع مع اليهود مع أنَّ إباحة ذلك قضيَّة خطيرة للغاية، وشيخ ٌيرى جواز إمامة النساء للرجال ، أو يرى جواز التدخين لمن يقدر على شرائه ، أو بمن يقول بجواز لبس البنطال للنساء في الشوارع بحجَّة أنَّه يستر جسدها ، أو بجواز مصافحة المرأة الأجنبيَّة للرجل وتقبيله لها أو تقبيلها له ، أو من شيخ يرى جواز أن يتغنَّى الفسقة المغنُّون بالقرآن ويعزفوا الوتر على آياته ، وآخر ما اطَّلعت عليه ما نشر عن أحدهم بأنَّه يشكِّكُ في نزول عيسى بن مريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى الأرض في آخر الزمان ؛ ضاربًا على الأحاديث الواردة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في إثبات هذه المسلَّمة العقديَّة ! وقد سمعت من ذلك عجبًا لا أحبُّ أن أزيد به القارئ ضحكًا مزجيًا بتعجُّبٍ واستغراب.

ومن الوسائل التي يحاول أدعياء تطوير الفكر الإسلامي أن يطرحوها ؛ اتِّخاذ التلفيق الفقهي وسيلة لمعايشة ضغوط الواقع ، والمقصود بالتلفيق: أن لا يلتزم المفتي أو مستنبط الحكم مذهبًا معيَّنًا في فتاواه وفي حكمه ، بل يحاول أن يأخذ برخص الفقهاء ، ونوادر العلماء ، وتيسيرات المتقدِّمين ، لتكون مناسبة لفقه القرن الواحد والعشرين ، وهو قرن اندماج الثقافات مع الآخر الغربي/الكافر ، ليكون ذلك وسيلة على إظهار الإسلام بروح المعاصرة والمسايرة!

وقد اطَّلعت مؤخرًا على كتاب جديد كتبه: (مراد هوفمان) بعنوان: (في تطوُّر الشريعة الإسلامية) يقرِّر فيه إسلامًا يسميه (الإسلام المعتدل) إذ يرى أنَّ الشريعة الإسلامية قابلة للتطور والمرونة ، ولذا يرى أنَّ شهادة المرأة كافية وخاصَّة في الأمور الاختصاصيَّة بل وملزمة /صـ47، ويرى أنَّ تعدد الزوجات هو استثناء لحالات خاصَّة حيث يسمح به في حالة الأمَّهات الأرامل ممَّن لديهنَّ أطفال يتامى، أو مع يتيمات ، أو لهدف العناية بالأيتام/صـ41، كما يرى أنَّه لا ينبغي إقامة حدِّ الردَّة على المرتد عن الإسلام/صـ53 ، ويرى أنَّ الإسلام ـ كنتيجة نهائية لبحث كتبه في عشرين سطرًا ـ لم يقرَّ أبدًا رجم الزناة/صـ55، بل يرى أنَّ الحديث عن مفاهيم دار الحرب ودار الإسلام للتعبير عن العلاقة بين الشرق والغرب بأنَّها مفاهيم تجاوزها الزمن/صـ65 ، إلى غير ذلك من الضَّلالات التي وقعَ فيها هذا الرجل ، ليجعل أحكام الإسلام تُؤخذُ بهذه الطريقة المنهزمة ، والمُمَيَّعة! (آلله أذن لكم أم على الله تفترون) يونس (59)

ولولا أن يُظنَّ بنا غلوٌّ *** لزدنا في المقال من استزادا

فهذا الرجل وأمثاله الذين صار لهم توسع وانتشار ؛ من الأشكال التَّي تعرض الدين الإسلامي بطريقة تجعل النصوص الإسلاميَّة ملويَّة أعناقها لتتواءم ـ كما زعموا ـ مع معطيات الحضارة ، ومتغيرات الزمن، وليؤسٍِّسوا فقهًا اجتهاديًَّا جديدًا يرعى مصالح الزمان ، وضغوطه الدولية، والَّتي من أهمِّها أن ينظر الغرب إلى هذه العقول بأنَّها عقول مرنة ومنفتحة ، وصدق من قال من علمائنا المعاصرين:إنَّ الاجتهاد لم يُفتح في هذا الزمان وإنَّما كسر كسرًا!فرحم الله من قال:

إن رُمْتَ حقًَّا لهذا الدِّين مصلحة *** لا تظلم القوس أعط القوس باريها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت